*في ذكرى استشهاد السيد محمد باقر الحكيم (رض)* ناجي الغزي

منبر العراق الحر:….كاتب وسياسي….
تحلّ الذكرى السنوية لاستشهاد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) بوصفها مناسبةً تتجاوز الحزن والوجدان، لتغدو محطةً سياسية وفكرية كبرى في تاريخ العراق الحديث. فالرجل لم يكن مجرد رمزٍ ديني أو قائدٍ معارض، بل كان حامل مشروع وطني – أخلاقي حاول أن يؤسس لمرحلة ما بعد الاستبداد على قاعدة الدولة، لا الغلبة، وعلى الشراكة، لا الإقصاء.
لقد مثّل الشهيد الحكيم نموذجاً نادراً للقيادة التي جمعت بين العمق الديني والبصيرة السياسية، ففهم مبكراً أن معركة العراق لا تُختزل بإسقاط نظام شمولي، بل تبدأ فعلياً بإدارة اليوم التالي له. وانطلاقاً من هذه الرؤية، بنى خطابه السياسي على إدراكٍ عميق لمخاطر الفراغ، وللهشاشة التي تصيب المجتمعات الخارجة من القمع إذا لم تُضبط بمشروع جامع يحول دون التفكك الأهلي والتدخل الخارجي.
في سنوات المعارضة، لم يتعامل السيد محمد باقر الحكيم مع السياسة بوصفها فعلاً انفعالياً أو ثأرياً، بل باعتبارها عملاً مؤسسياً طويل النفس. سعى إلى بناء تنظيم سياسي واضح البنية، وتحالفات محسوبة، وخطاب عقلاني يخاطب الداخل العراقي بقدر ما يقرأ معادلات الإقليم والمجتمع الدولي. وكان يدرك أن لا فصيل قادراً على حكم العراق منفرداً، ما جعله من أوائل الداعين إلى التوافق السياسي بوصفه خياراً واقعياً في مرحلة انتقالية معقّدة.
وعقب عام 2003، جاءت عودته إلى العراق محاولة مبكرة لإعادة ضبط المسار السياسي ومنع الانزلاق نحو صراع أهلي شامل. لم يكن خطابه خطاب منتصر، بل خطاب رجل دولة، دعا إلى دستور توافقي، وبناء مؤسسات شرعية، وضبط السلاح، واحترام المرجعية الدينية بوصفها ضامناً أخلاقياً للعملية السياسية لا بديلاً عنها. وكان رفضه لمنطق الانتقام موقفاً سياسياً بقدر ما هو أخلاقي، انطلاقاً من قناعته بأن الثأر لا يؤسس دولة، بل يفتح دوّامات عنف لا تنتهي.
اغتيال السيد محمد باقر الحكيم شكّل ضربة قاسية لهذا المشروع الوسطي في لحظة تأسيسية بالغة الحساسية. فغياب شخصية تمتلك الشرعية الدينية، والقبول الشعبي، والخبرة التنظيمية، فتح الباب أمام تصاعد منطق السلاح، وتغليب الهويات الفرعية، وتحويل العملية السياسية من ساحة بناء دولة إلى ساحة صراع نفوذ.
ومن منظور سياسي بحت، يمكن القول إن استشهاده سرّع انتقال العراق من مرحلة “الفرصة الممكنة” إلى مرحلة “الأزمات المتراكمة”. لم يكن الرجل معصوماً، ولا مشروعه مكتملاًً، لكنه كان يمثل اتجاهاً عقلانياً قادراً على لعب دور توازني بين المرجعية، والقوى السياسية، والدولة الناشئة.
اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة على استشهاده، تبدو الأسئلة التي طرحها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: كيف تُدار التعددية دون أن تتحول إلى انقسام دائم؟ كيف يُضبط السلاح خارج إطار الدولة؟ وكيف تُبنى شرعية سياسية تتجاوز المحاصصة نحو مفهوم الدولة؟ هذه الأسئلة لا تمثل شعاراتٍ عاطفية، بل جوهر الإرث السياسي الذي تركه الشهيد الحكيم، والذي ما زال مطروحاً بوصفه اختباراً للعقل السياسي العراقي.
في ذكرى استشهاده، لا يكون الوفاء الحقيقي بإعادة إنتاج صورته الرمزية، بل بإعادة قراءة مشروعه بوعي نقدي، واستخلاص دروسه في إدارة الانتقال، وبناء التوافق، وحماية الدولة من الانهيار. فالشهادة في السياسة لا تُقاس بدم صاحبها وحده، بل بقدرة المشروع الذي استُهدف على البقاء والاستمرار. وفي حالة محمد باقر الحكيم، يبقى المشروع حياً…وإن غاب حامله.

اترك رد