هل خذلتنا الديمقراطية أم خذلنا أنفسنا؟ عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

لم تكن الديمقراطية، في أصلها، قيمة أخلاقية خالصة كما يُروَّج لها اليوم، بل كانت قبل كل شيء تنظيمًا للسلطة. نشأت لضبط القرار السياسي وتوزيع النفوذ، لا لتحقيق العدالة بوصفها مبدأً إنسانيًا مطلقًا. ولهذا لم تكن العدالة جزءًا أصيلًا من بنيتها، بل قيمة أُضيفت لاحقًا مع تطوّر الوعي الإنساني وارتفاع كلفة الظلم.
الخلل في الديمقراطية لم يكن خلل تطبيق، بل خللًا بنيويًا رافقها تاريخيًا، لأنها لم تنظر إلى الإنسان بوصفه واحدًا في القيمة، بل متعدّدًا في الاستحقاق. تغيّرت الأقنعة عبر العصور، لكن الجوهر بقي واحدًا: تمثيل مشروط وعدالة تُقاس بميزان القوة.
من هنا لا يمكن التعامل مع الديمقراطية كأفق نهائي، بل كـ مرحلة تاريخية، مثلها مثل الاشتراكية وغيرها من النظم الكبرى. قد تطول هذه المرحلة أو تقصر، لكنها تبقى قابلة للتجاوز. وما يُعلن نهايتها ليس قرارًا سياسيًا مفاجئًا، بل سقوط داخلي يبدأ حين يشعر الإنسان أن النظام لم يعد يمثّله حقيقة، وأن الخطاب يتحدّث باسمه دون أن يعكس واقعه.
في هذه اللحظة، غالبًا ما تفشل النخب في أداء دورها، لأنها تكون إمّا مؤدلجة أو محكومة بالمصالح، فتتحوّل من ضمير كاشف إلى جزء من آلية التبرير. ويصبح الإصلاح مجرّد تأجيل للأزمة، لا مواجهة لها.
غير أن الخطر لا يتساوى بين الشعوب. فالشعوب التي عاشت تجربة ديمقراطية حقيقية تمتلك وعيًا وذاكرة سياسية تمنحها مناعة تاريخية، وتتيح لها تطوير نظام أفضل عند الانهيار. أمّا الشعوب التي تعيش على هامش الديمقراطية، فإن سقوطها لا يقود إلى التجاوز، بل إلى الفوضى.
بهذا المعنى، ليست الديمقراطية قيمة بحد ذاتها، بل تجربة تدريب تاريخي على الوعي والحدّ من العنف. قيمتها مضافة لا أصيلة، مستمدّة من تعاملها مع الإنسان. وحين تنجح في ذلك، تُنتج ما بعدها.
لكن الانتقال الحقيقي لا يبدأ من تغيير النظام، بل من إعادة تعريف الإنسان. فالسلطة ليست سوى مرآة لإنسانها. وما لم يتغيّر الإنسان، ستعيد السلطة إنتاج الخلل نفسه مهما تغيّر اسمها.
الإنسان المطلوب اليوم ليس ناقدًا للسلطة فقط، بل ناقدًا لذاته قبل كل شيء. لأن من لا يحاسب نفسه، سيبحث دائمًا عن نظام يعفيه من مسؤوليته، ويعيد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة.
الأزمة ليست أزمة ديمقراطية،
بل أزمة إنسان لم يتعلّم بعد أن يكون مسؤولًا عن حريته

اترك رد