ملحمة الماء والدماء….د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

كربلاءُ…
مدينةُ الدمِ والماءِ…
تتنفَّسُ الحزنَ في زواياها
ويهمسُ النورُ باسمِ الحسينِ…

بينَ الرمالِ والسماءِ
تتلاقى الأرواحُ…
على دربِ الشهادةِ
وتتساقطُ القصصُ
كحباتِ المطرِ…
على قلبِ الزمانِ
فتحيا الأرواحُ…
وتظلُّ المدنُ شاهدةً
على العطاءِ والوفاءِ…

في صمتِ الأرضِ
تهتفُ الأشجارُ
بصوتِ الريحِ…
كلُّ نبضةٍ من قلبِك
تحملُ ذكرى الشهيدِ
وكلُّ ذرةٍ من الترابِ
تحكي قصةَ الوفاءِ
وترسمُ على الجدرانِ
خطوطَ الألمِ والأملِ معًا…

كأنَّ الشهادةَ تُولَدُ…
من جديدٍ مع كلِّ نسمةٍ
وتخبرنا…
أنَّ الحزنَ والبطولةَ متلازمانِ…

المرقدُ…
قبلةُ الأرواحِ الضائعةِ
وميناءُ العاشقينَ
أرفعُ يديَّ نحوه
فيمطرُ على قلبي
سلامًا لا تجفُّ مياههُ أبدًا…

وحيثما وجدتُ
خطى الزائرينَ…
وجدتُ نفسي
بينَ دموعهم
أستمعُ للهمسِ
الذي لا يموتُ…
وأشمُّ عبيرَ التضحيةِ
الذي يملأُ الأفقَ…

كربلاءُ…
هنا يلتقي
الماضي بالحاضرِ
هنا يتجسَّدُ العدلُ
في دماءٍ صارت نورًا
هنا تتفتحُ قلوبُ الأحياءِ
فتسمعُ صوتَ الحنينِ
وترى الشجاعةَ
تسيرُ على الطريقِ
تستقرُّ بينَ الأكتافِ
وتهمسُ للقلوبِ
بالثباتِ والصبرِ…

كلُّ ليلةٍ في كربلاءَ
تتحوَّلُ إلى لوحةٍ
من الألوان…
ذهبُ الدمِ وفضّةُ القمرِ
وصوتُ الطبولِ والأبواقِ
يكتبُ على السماءِ
لحنَ البطولةِ…
ويعيدُ رسمَ التاريخِ
على الأرضِ…

ترابك…
أشمُّهُ في رياحي
أستقي من رائحتهِ حنيني
أجدُ نفسي بينَ يدي التاريخِ
بينَ دموعِ الأمهاتِ
وقلوبِ الشجعانِ
أحملُ آلامَها وآمالَها
وأعيدُ صياغةَ الحياةِ
على وقعِ صدى…
الطبولِ والأبواقِ…

كربلاءُ…
أنتِ فجرٌ لا ينطفئُ
ورمزٌ للثباتِ…
وعطرُ الذكرياتِ…
أهتفُ باسمكِ…
ويداي ممتدَّتانِ إلى السماءِ
أستعيرُ منكِ نورَ القلوبِ
وأغزلُ من صبركِ ودمائكِ
أغنيةَ أملٍ لا يموتُ…

نرى راياتكِ ترفرفُ
في كلِّ مكانٍ…
تهزُّ الأرواحَ فتنهضُ
تهتفُ بالعدلِ…
تغرسُ فينا معنى الحياةِ
وتعلّمُنا كيف يكون الوفاءُ
أقوى من الموتِ…؟

كربلاءُ…
لستِ مدينةً فقطْ
أنتِ مدرسةُ الحياةِ
أنتِ فجرٌ يتكرَّرُ في قلوبِنا
أنتِ دمعةٌ تُزهِرُ…
على جفونِ العاشقينَ
أنت صدى الصوتِ
الذي لا ينقطعُ…
ولا يضعفُ مهما طال الليلُ…

نمشي بينَ أزقَّتكِ
نشمُّ عبقَ التاريخِ
نقرأُ قصصَ الشهداءِ
في كلِّ حجرٍ…
نحاورُ الأرواحَ…
التي لم ترحلْ…
نتعلمُ من كلِّ دمعةٍ درسًا
ومن كلِّ نارٍ اشتعلتْ
درسًا للثباتِ
وندركُ أن كربلاء…
هي الحبُّ الذي لا يموتُ
والصبرُ الذي لا يزولُ
والنورُ الذي لا ينطفئُ…

كلُّ دمعةٍ هنا…
تصنعُ رجلًا جديدًا
وحزنُ كلِّ أمٍّ ودموعها
تحوّلنا إلى أحياءٍ أكثرَ ثباتًا
فتشرقُ في القلوبِ
شعلةُ الإيمانِ…
وترتفعُ بينَ ألسنةِ النارِ
دروسُ البطولةِ…
كما ارتفعتْ راياتُ الحسينِ
يومَ الطفِّ…

كربلاءُ…
صوتُكِ فينا يتردّدُ
يعلّمنا أن الموتَ ليس نهايةً
وأنَّ الدماءَ التي سالت
ليست دماءً فقطْ
بل نورٌ وهدايةٌ…
تتسلّلُ إلى قلوبِنا…
وتعلّمنا أن نكون أحرارًا
ونحملَ العدلَ في أفعالِنا
ونزرعَ الحبَّ في كلِّ مكانٍ…

نطوفُ في المكانِ الطاهرِ
نستمعُ لدقِّ الطبولِ
نشمُّ عطرَ الورودِ
نلمسُ جدرانَ المدينةِ
نرى آثارَ الدمِ على التاريخِ
ونشعرُ أن كلَّ شيءٍ هنا حيٌّ
حتى الصمتُ…
يهمسُ باسمِ الحسينِ…

كربلاءُ…
أنتِ أكثرُ من مكانٍ
أنتِ رسالةٌ أبديةٌ
أنتِ الصبرُ…
أنتِ الحزنُ…
الممزوجُ بالشجاعةِ
أنت النورُ الذي لا يرحلُ
أنت الوطنُ والروحُ
وأنا بينَ أزقَّتكِ…
أكتشفُ نفسي من جديدٍ
أتعلمُ كيف أحبُّ…
كيف أصبرُ، وكيف أستمرُّ…؟

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد