منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي…
تمديد المهلة التي منحها ترامب من 48 ساعة إلى خمسة أيام، كتهديد بضرب منشآت الطاقة، لا يمكن قراءته كقرار تكتيكي بسيط، بل يجب وضعه ضمن إطار أوسع يتعلق بتحول بنيوي في طبيعة الصراع نفسه. نحن أمام لحظة انتقال من (حرب تفوق إلى حرب حدود القوة)، وهي لحظة نادرة تكشف ليس فقط ما تستطيع الأطراف فعله، بل ما لا تستطيع تحمّله.
قراءة مشهد الحرب وتحولاته يحتاج الى قدراً من التفكيك حتى لا يتحول إلى استنتاج حتمي مبسّط. نعم، أي محادثات بين واشنطن وطهران تعني ضمنياً أن الولايات المتحدة تتعامل مع إيران كطرف قائم، لا ككيان يجب إسقاطه فوراً. وهذا إقرار باعتراف ضمني بواقع النظام القائم والتعامل معه بوصفه طرفاً لا يمكن تجاوزه، بينما إيران تصر على نفي أي محادثات مع أمريكا، لأن الاعتراف بالمفاوضات في هذه اللحظة يعني: إضعاف سردية الردع، وإعطاء انطباع أنها رضخت للمهلة.
*أولاً: كسر فرضية الحسم السريع*
الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية في بداية المواجهة بُنيت على ثلاث ركائز: تفوق جوي مطلق، وقدرة دفاعية متعددة الطبقات، وضغط ناري كثيف يؤدي إلى شل القدرات الإيرانية سريعاً. لكن ما أظهرته الضربات الإيرانية الأخيرة هو تفكك هذه الفرضية جزئياً. وذلك من خلال اختراق بعض الصواريخ الإيرانية لمنظومات مثل (مقلاع داود، والقبة الحديدية، وحيتس4، وثاد، وآرو) لم يكن انهياراً عسكرياً، بل ضربة لمفهوم اليقين الدفاعي.
في الاستراتيجية الدفاعية، هناك فرق بين حماية 100% وحماية و90% وحماية 10%… بل هذا الفرق بين: نظام يمكن الاعتماد عليه ونظام يحمل مخاطر وجودية
*ثانياً: من أوهام الحسم الى إدارة المخاطر*
انطلقت الحرب بأهداف كبرى: شلّ البرنامج النووي، وتقليص القدرات الصاروخية، وتغيير النظام، وتفكيك شبكة الوكلاء. لكن المسار العملي كشف فجوة واسعة بين الأهداف والنتائج، إذ لم يتحقق أي من هذه العناوين بشكل حاسم. في المقابل، أعادت واشنطن ترتيب أولوياتها تحت ضغط الوقائع، فانتقلت من مشروع الحسم إلى إدارة المخاطر، مركّزة على منع اختناق الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، وضمان استمرار تدفق الطاقة وسلاسل الإمداد.
هذا التحول لم يكن خياراً نظرياً، بل استجابة لميزان كلفة عائد جديد. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، لا تملك ضمانات كافية لاحتواء تداعيات التصعيد: لا قدرة مؤكدة على إبقاء المضائق مفتوحة، ولا حماية شاملة للبنية التحتية الإقليمية، ولا تحمّل صدمة اقتصادية عالمية ممتدة. ومع غياب القدرة على ضبط النتائج، يصبح التراجع إعادة تموضع عقلانية، لا تعبيراً عن عجز، بل إدراكاً لحدود القوة.
*ثالثاً: حدود القوة كأداة إعادة توازن*
الضربات الإيرانية لم تهدف إلى تحقيق نصر مباشر، بل إلى: رفع كلفة التصعيد وإظهار قابلية الاختراق وفرض معادلة ردع نسبي. وهذا يتسق مع مفهوم: الردع بالعقاب والحرمان أي: إلحاق ضرر كافٍ لردع الخصم، وإظهار أن أهدافه غير قابلة للتحقيق بسهولة. النتيجة لم تعد المشكلة لدى الطرف المقابل كيف يضرب، بل ماذا سيحدث بعد الضربة.
حادثة تعرض الطائرة الشبحية F-35 للخطر (حتى لو لم تُسقط) تحمل دلالة استراتيجية: الشبحية تقلل الكشف، لكنها لا تلغيه، والأنظمة الحرارية السلبية تفرض بيئة تهديد جديدة، والتفوق الجوي لم يعد مطلقاً، بل مشروطاً بالسياق العملياتي. وهذا يعيد تعريف العقيدة الجوية من: السيطرة الكاملة على المجال إلى: العمل داخل بيئة متنازع عليها.
*رابعاً: لماذا التمديد وليس التصعيد؟*
قرار عدم ضرب منشآت الكهرباء فوراً يعكس ثلاثة اعتبارات:
1- خطر التصعيد المتسلسل: استهداف البنية التحتية المدنية سيفتح الباب لرد مماثل مثل: الطاقة، والمياه، والموانئ. أي الانتقال إلى حرب شاملة على النظام الاقتصادي الإقليمي.
2-عدم ضمان الحسم: حتى لو حدثت ضربة واسعة، لن تنهي القدرة الإيرانية، لكنها ستوسّع نطاق الرد. مما تؤدي الى كلفة عالية بدون نتيجة حاسمة.
3- الضغط الدولي غير المباشر: بدأت أسواق الطاقة، والحلفاء الإقليميون، وقوى كبرى تراقب الاحداث مثل الصين وروسيا. من هنا أصبح القرار أصبح متعدد القيود وليس أحادي الإرادة.
من زاوية طهران، يقرأ التفاوض بحد ذاته يُستخدم كدليل على: صمود النظام، وفشل الضغوط القصوى، وفرض نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وأن إيران ترى في الحوار:
تثبيتاً للواقع الذي صنعته… لا تنازلاً عنه.
*خامساً: توصيف اللحظة الاستراتيجية*
ربما لم تخطئ واشنطن في تقدير قدراتها العسكرية، بل في قراءة سلوك وقدرة الخصم وحدود ردّه. الافتراض المركزي كان أن طهران ستتجه إلى التهدئة أو تكتفي بردود محسوبة، بما يسمح بإدارة التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. لكن ما كشفه الواقع هو عكس ذلك: استعداد إيراني لرفع مستوى الرد إلى حد استهداف البنى الحيوية للطاقة، وتوسيع رقعة الاشتباك إقليمياً بما يتجاوز ساحات تقليدية.
هنا يكمن جوهر الخلل، ليس في أدوات القوة، بل في تقدير الإرادة السياسية للخصم وآليات استخدامه للقوة غير المتناظرة. التهديد الأمريكي بدا غير واقعي، لا لأنه غير قابل للتنفيذ، بل لأن كلفته الاستراتيجية تتجاوز قدرة التحكم بنتائجه. بمعنى آخر، واشنطن أخطأت حين افترضت أن التصعيد يمكن ضبطه، بينما أثبتت المعطيات أن أي تصعيد واسع سيولد سلسلة تفاعلات خارجة عن السيطرة.
لذلك لم يعد تغيير النظام في إيران خياراً مطروحاً بجدية لدى واشنطن، كاستنتاج واقعي فرضته معادلات القوة وارتفاع الكلفة والمخاطر. فإسقاط النظام يتطلب أثماناً باهظة عسكرياً وسياسياً، في ظل غياب بديل قادر على تحقيق الاستقرار، مع بقاء دروس العراق وأفغانستان حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية. يضاف إلى ذلك أن قدرة إيران على الرد والردع عبر ساحات إقليمية متعددة تجعل أي مغامرة مفتوحة على سيناريوهات معقدة وغير قابلة للاحتواء.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر