منبر العراق الحر :
جان بول سارتر من أشهر فلاسفة الفلسفة الوجودية، وأكثرهم تأثيرًا؛ لما له من إنتاج غزير في مواضيع عدة. إذا قرأنا أحد أشهر كتبه وأبسطها في شرح الفلسفة الوجودية، وهو كتاب «الوجودية مذهب إنساني»، لوجدنا أنه يضع كل فكره الوجودي في كتاب صغير. في هذا الكتاب نرى أن المركز الذي يضعه سارتر لوجوديته هو مبدأ «الوجود يسبق الماهية».
نظرة واحدة منا يمكنها أن تلاحظ أحد الأخطاء الصياغية لهذا المبدأ؛ فكيف لوجود معين أن يوجد دون ماهية؟ فعندما نقول إن (أ) موجود، فنحن نقول ضمنيًا إن هذا الشيء معيَّن وله طبيعة ما. وبمثال مماثل لمثال سارتر الذي يطرحه في كتابه عن السكين ليوضح المبدأ: فعندما أقول إن هذه سكين، فماهيتها هي أنها سكين؛ فإذا ألغيت ماهيتها لم تعد السكين موجودة. فهذا خطأ صياغي واضح، خاصة إذا طبقناه على الإنسان من داخل فلسفة سارتر؛ فهو لا يعتقد بوجود خالق للإنسان ليطبق مثال وجود السكين في ذهن صانعها قبل صنعها على الإنسان. فالوضع هنا أن هذا خلط بين الماهية وبين الهوية؛ فالذي تشكله قراراتي كإنسان هو هويتي، لا ماهيتي، ولا يمكن لوجودي أن يسبق ماهيتي؛ فإن وجودي مقترن بماهيتي، فلا يمكن لشيء أن يكون موجودًا بدون ماهية. فنستطيع أن نعبر عن هذا الخطأ بأنه خطأ في الصياغة.
سارتر يعتقد في فلسفته أن الإنسان حر بالضرورة ويتحمل اختياراته، ولم يكن هذا افتراضًا مبررًا؛ فإذا تجنبنا كل ما لا يختاره الإنسان بدايةً من ولادته، وجيناته، وعائلته، ودينه، ولغته، ونسبه، إلى آخره من هذه التي يسميها سارتر بالوقائع، فهذا أيضًا لا يعطي تبريرًا لهذا الافتراض. فكل الأمور التي لا يختارها الإنسان برأي سارتر لا تمس جوهر حرية الإنسان، وهذا تفريق اعتباطي؛ فالكثير من أفعال الإنسان تكون نتيجة لعوامل اقتصادية وثقافية ووراثية. هنا يصبح قول «الحرية الضرورية» تعريفًا لغويًا لا غير، ولا يمكن أن يعبر عن الواقع الإنساني الذي يتغير لعدد من الأسباب.
ونحن نعرف أن هذا المبدأ لا يمكن أن يعبر عن هذا الواقع بقدر ما يمكنه التعبير عن خدمة المفاهيم التي صُنع ليخدمها؛ فهو يعبر عن الأسبقية للوجود على الهوية التي تُصنع بالاختيار بمسمى «الماهية»، ويعبر عن حرية لغوية بعيدة عن الحرية الواقعية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر