بين ترامب وسافايا : العراق تحت الهيمنة والسيادة….د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :العراق اليوم ليس مجرد دولة على الخريطة بل هو مشهد معقد من الصراعات السياسية النفوذ الخارجي والانقسامات التي أرهقت شعبًا كاملًا وجعلت من قرار الدولة رهينة في أيدي الآخرين ومنذ سقوط النظام السابق تحول العراق إلى ساحة متشابكة بين مصالح القوى العالمية والفاعلين المحليين بين الضغط الخارجي والانقسامات وبين والوعد بالديمقراطية وواقع من الفساد في المؤسسات التي يختبرها المواطن كل يوم وقد فرض النفوذ الأمريكي نفسه على العراق منذ ٢٠٠٣ بشكل واضح سواء من خلال الغزو المباشر أو من خلال سياسات الضغط الاقتصادي والعسكري وكانت فترة ترامب نموذجًا صارخًا لهذا النفوذ حيث اختصر السياسة الأمريكية في العراق بالتهديد وبالمطالبة بالانصياع وبفرض الخيارات التي تصب دائمًا في مصالح الإدارة الأمريكية على حساب سيادة الدولة ورفاهية شعبها ولم تعد بغداد مجرد عاصمة بل أصبحت ملعبًا لتجارب القوة حيث تتحكم القرارات الخارجية في كل شاردة وواردة وتصبح المدن العراقية حقولًا للضغط الاستراتيجي والتوازن الدولي.

وفي الوقت نفسه يبرز نفوذ ما يُعرف بـ”سافايا” القوى الاقتصادية والسياسية التي تتحرك خلف الستار ويريد ان يفرض ألاجندات من خلال التحكم في الموارد وفي المناصب وفي مسار القرارات العليا وهذه القوى التي قد تكون شركات نفطية فاعلين ماليين أو شبكات مصالح خارجية تتحكم في السياسات اليومية للعراق وتحدد من يصل إلى السلطة ومن يبقى على هامش اللعبة والسلطة نفسها تبدو عاجزة أمام هذه الضغوط فالمؤسسات الرسمية أصبحت أدوات لتثبيت النفوذ والبرلمان مجرد ساحة لتبادل الولاءات والمغانم والوزارات أدوات لتحقيق مكاسب حزبية على حساب المواطن.

المواطن العراقي الذي يجب أن يكون محور كل قرار يجد نفسه في مواجهة مستمرة مع حكومة عاجزة لا تعرف سوى حماية مصالحها ومصالح نفوذ خارجي بينما الشعب يئن من البطالة والفقر وانقطاع الكهرباء والماء ومن هدر مستمر للثروات النفطية التي يفترض أن تكون ملكًا للجميع لكنها أصبحت أداة للسيطرة وتوزيع النفوذ والأزمة تتجاوز حدود الفساد الداخلي فهي تمتد إلى الصراعات التي جعلت العراق ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية بينما السلطة عاجزة عن حماية وحدة الدولة ومواطنيها.

الصراعات بين السنة والشيعة والكرد والاحزاب المختلفة كل ذلك يضع العراق في حالة هشاشة مستمرة ويجعل بناء دولة قوية أمرًا شبه مستحيل والشعب العراقي يعيش بين وعود الإصلاح التي لا تتحقق وبين واقع يومي يصبح بين المطرقة والسندان : سلطة عاجزة ونفوذ خارجي مستمر مع صراعات تعيق أي محاولة للتقدم أو التنمية النفط والاقتصاد وهما قلب العراق النابض أصبحا لعنة على المواطن فبدل أن يكونا مصدر رفاهية واستقرار أصبحا أدوات للسيطرة الاقتصادية ووسيلة لتثبيت النفوذ الخارجي بينما الدولة عاجزة عن تقديم حلول حقيقية أو مستدامة والشعب يدفع ثمن ذلك مباشرة في حياته اليومية.

كل أزمة سياسية تتحول فورًا إلى أزمة حياتية وكل صراع حزبي يترك أثره المباشر على المواطن البسيط الذي يرى مستقبله يضيع أمام أعين السلطة ويد النفوذ الأجنبي ومع كل هذا يبقى الأمل في الشعب العراقي في وعيه في قدرته على تجاوز الانقسامات واستعادة دوره كفاعل حقيقي في صياغة مصيره.

الأمل في المشاركة السياسية الواعية والمطالبة بالحقوق ومحاسبة الفاسدين هو السبيل الوحيد للخروج من دوامة الفشل والفساد المستمر والتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي واجهت النفوذ الخارجي وفشلت سلطاتها في خدمتها استطاعت أن تنهض من الرماد وتعيد بناء نفسها وأن تجعل من كل أزمة فرصة ومن كل فشل درسًا ومن كل نفوذ أجنبي حافزًا لاستعادة السيادة والكرامة والعراق ليس مجرد أرض صراع بل هو حضارة قلب الشرق الأوسط ورمز للصمود والإرادة.

ان الخروج من هذا النفق المظلم يحتاج إلى وعي جماعي وإرادة حقيقية يحتاج إلى أن يدرك المواطن العراقي أن التغيير لا يأتي من وعود السلطة ولا من النفوذ الخارجي ولا من الصراعات الإقليمية بل يأتي من الداخل من المشاركة من مقاومة الفساد ومن المطالبة بحقوقه بقوة ووعي فاذا نجح الشعب العراقي في استعادة دوره فإن بغداد لن تصبح مجرد عاصمة بلا قرار ولن تكون المدن العراقية ساحات للصراعات السياسية بل ستتحول الدولة إلى كيان قوي مستقل وعادل يخدم الشعب ويحميه ويعيد العراق إلى مكانته التاريخية كرمز للحضارة للحرية وللصمود وعندها ستصبح قصة العراق القادمة واحدة من أعظم قصص المقاومة الإنسانية.

قصة شعب لم ينهزم أبدًا ولم ينحني يومًا شعب كتب بعرقه ودمه دروسًا في الكرامة والسيادة وشهد على أن الأوطان لا تُهزم إلا عندما يستسلم أبناؤها وأن العراق مهما اشتدت عليه الصراعات سيبقى قلب الشرق الأوسط النابض وسيسطر اسمه في التاريخ كرمز للصمود والإرادة الحرةوالشعب الذي لم ينسى أصله ولم يفرط في حقه، الشعب الذي سيعيد رسم مصيره بيديه ليعود العراق دولة قوية حرة مستقلة وعنوانًا للكرامة التي لا تقهر، مهما كانت الظروف مهما كانت الضغوط ومهما طغت المآسي فالتاريخ سيشهد على إرادة هذا الشعب الذي لن يعرف الانكسار أبدًا.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد