حين يُهان المعلم : سقوط الخطاب قبل سقوط السياسة… د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

ليس أخطر على المجتمعات من لحظة يخرج فيها نائبٌ في البرلمان من المفترض أنه نتاج صندوقٍ ودستور ليقلّل من قيمة “المعلّم” بوصفه توصيفًا يُراد به الانتقاص لا التعظيم وكأن التعليم صار تهمة وكأن الوقوف على السبورة جريمة سياسية وكأن صناعة العقول باتت عيبًا لا يؤهل صاحبها لقيادة دولة وتصريح النائب عثمان الشيباني حين استُخدم “المعلم” كأداة تسقيط في سياق الحديث عن رئاسة الوزراء لم يكن زلّة لسان عابرة بل كان تعبيرًا فاضحًا عن أزمة عميقة في الوعي السياسي وأخطر من ذلك في سلّم القيم الذي بات يحكم الخطاب العام.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
من أوصل من ؟
ومن صنع من ؟
وهل وصل أي نائب إلى البرلمان إلا عبر معلمٍ علّمه الحرف الأول وربّاه على معنى السؤال وفتح له باب القراءة وربما لقّنه أول درس في الوطنية والحق والواجب؟ أي مفارقة هذه التي تجعل من المعلم الذي هو أصل التكوين مادةً للازدراء في أفواه من لم يكن لهم وجود فكري أو اجتماعي لولا المدرسة؟
حين يُستعمل لقب “معلم” بوصفه تقليلًا من الشأن، فنحن لا نكون أمام إساءة لشخص بعينه بل أمام إهانة لطبقة كاملة ولمؤسسة كاملة ولتاريخ طويل من التضحيات الصامتة والمعلم في العراق وفي كل الدول التي نجت من الانهيار لم يكن موظفًا عاديًا بل كان حارس الهوية وذاكرة الدولة وصانع الأجيال وهو الذي حمل الوطن في دفاتره حين كانت السياسة تُباع في المزادات وهو الذي بقي واقفًا حين سقطت هيبة المناصب.

ما قاله النائب صراحة أو تلميحًا يكشف ذهنية ترى في السلطة امتيازًا لا مسؤولية وفي المنصب غنيمة لا تكليفًا وفي رئاسة الوزراء منصّة نخبوية لا يليق بها من جاء من صفوف التعليم وكأن الحكم حكر على العسكر أو رجال الصفقات أو أبناء الصدفة السياسية وهذا المنطق لا يسيء للمعلم فقط بل ينسف فكرة الدولة الحديثة من جذورها لأن الدول لا تُبنى بمن يحتقر المعرفة ولا تُقاد بعقلٍ يرى الثقافة عبئًا لا رصيدًا.

التاريخ لا يرحم هذا النوع من الخطاب فكل تجارب الحكم الرشيد في العالم كانت تقودها عقول خرجت من رحم التعليم : معلمون وأساتذة وباحثون ومفكرون وحتى أولئك الذين لم يكونوا معلمين مهنيًا كانوا تلامذة حقيقيين للفكرة والمعرفة وأما الذين استصغروا المعلم فقد استصغروا الدولة نفسها وانتهوا عادة إلى هامش الذاكرة أو إلى صفحات الفشل.

الأخطر في هذا التصريح أنه لا يطعن شخصًا بعينه بل يوجّه طعنة إلى المجتمع كله وحين يسمع الطالب أن “المعلم” صار وصفًا معيبا وحين يسمع المدرس أن مهنته تُستخدم كسخرية سياسية فإن الرسالة واضحة : وفق التصريح يصبح لا قيمة للعلم ولا احترام لمن يحمل القلم وهذه رسالة قاتلة لأي بلد يحاول النهوض من ركام الأزمات فالأمم لا تنهض بالنفط وحده، ولا بالسلاح ولا بالشعارات بل بعقلٍ جمعي يحترم من يصنع الوعي.

كان الأجدر بالنائب وهو يجلس تحت قبّة البرلمان أن يتذكّر أن الشرعية الأخلاقية تسبق الشرعية الانتخابية وأن من لا يحترم المعلم لا يملك الحق في الحديث عن قيادة دولة فكيف نأتمن على القرار الوطني من يرى في التربية نقطة ضعف لا مصدر قوة ؟
وكيف نصدق خطاب إصلاح يصدر عن عقلٍ يحتقر أصل الإصلاح ؟
في هذه اللحظة بالذات لا يكون الصمت حيادًا بل تواطؤًا ولا يكون التجاهل حكمة بل مشاركة غير مباشرة في هدم ما تبقّى من هيبة القيم فحين يُسمَح لخطابٍ سياسي أن يحوّل “المعلّم” من رمزٍ للمعرفة إلى أداة تسقيط فإننا لا نكون أمام رأيٍ شخصي بل أمام إعلان غير مكتوب عن إفلاس أخلاقي في فهم الدولة ومعناها والدولة التي يُهان فيها المعلّم على لسان نائب هي دولة تُنزَع منها روحها دون أن تطلق رصاصة واحدة.

المعلّم لم يكن يومًا طارئًا على السلطة بل كان دائمًا أعمق منها والسلطة عابرة تتبدّل بتبدّل التوازنات أما التعليم فباقٍ يتغلغل في العقول جيلًا بعد جيل ويصنع ما تعجز عنه الخطب والقرارات والمعلّم لا يحتاج إلى كرسي ليكون مؤثرًا لأن أثره يمشي على قدمين في الشوارع ويجلس في المؤسسات ويتكلم في البرلمان نفسه وكل من يستهين بالمعلم إنما يستهين بجذوره ومن يقطع جذوره يسقط ولو بدا واقفًا.

إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس إهانته لفئة بعينها بل تطبيعه للاحتقار بوصفه ممارسة سياسية واليوم يُحتقر المعلم وغدًا تُحتقر الكفاءة وبعده يُحتقر العقل حتى نصحو على دولة بلا معنى، تُدار بالضجيج بدل الرؤية وبالاستعلاء بدل المسؤولية عندها لا يعود السؤال: من يصل إلى رئاسة الوزراء؟ بل: لماذا لم يبقَ شيء يستحق الوصول إليه؟

ليس الدفاع عن المعلم ترفًا ثقافيًا ولا ردّة فعل عاطفية بل هو دفاع عن فكرة الدولة نفسها فالدولة التي تحترم معلميها تحترم مستقبلها والدولة التي تسمح بازدرائهم تُعلن إفلاسها التربوي قبل إفلاسها السياسي ومن المؤلم أن يُجبر المعلم الذي علّم الناس معنى الكرامة، على الدفاع عن كرامته في وطنٍ يفترض أنه صنيعه.

وفي النهاية سيبقى المعلم واقفًا حتى لو انحنت السياسة وسيبقى القلم أشدّ مضاءً من كل خطابات الاستعلاء وأما الذين يرون في التعليم نقصًا وفي المعرفة عبئًا فسيكتشفون متأخرين أن الدولة لا تسقط حين يُهان المعلم فقط بل تسقط لأنها فقدت آخر من كان قادرًا على إنقاذها.

د.رافد حميد فرج القاضي

 

 

 

اترك رد