منبر العراق الحر :
ليست السياسة سوى الضجيج الذي نسمعه، أما العطب الحقيقي فيقع في مكان أعمق، في تلك المنطقة المعتمة التي يتشكل فيها الوعي قبل أن يتحول إلى موقف. هناك، حيث لا تُرفع الشعارات ولا تُكتب البيانات، تبدأ القصة.
ما نعيشه ليس أزمة حكومات ولا صراع مصالح فقط، بل مأزق عقل مغلق، يدور حول نفسه كحيوان في قفص، يظن الحركة تقدماً. السياسة هنا مجرد عرض جانبي، مثل فقاعات تعلو سطح بحيرة، بينما القاع ساكن، ثقيل، ومليء بما لا يُرى.
حين انتهت الحرب العالمية الأولى، لم تترك وراءها حدوداً جديدة فقط، بل إنساناً مكسوراً. ظهر جيل كامل يكتب بدم الأعصاب، لا بالحبر. في أعمال إرنست همنغواي وويليام فوكنر كان العالم يبدو كغرفة فقدت جدرانها، حيث لا شيء يستحق اليقين.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، أكثر شراسة، وأكثر قدرة على اقتلاع الإنسان من نفسه. لم تكتفِ بقتل البشر، بل ضربت اللغة نفسها. كما قال إريك ماريا ريمارك، القنابل التي سقطت لم تدمر المدن فقط، بل سقطت فوق الصداقة والفن والمعنى.
من هذا الركام، لم يخرج الصمت، بل خرج التمرد. في أمريكا، ظهر صوت ألن غينسبرغ، صارخاً في وجه عالم مزيّف، ومعه جاك كيرواك، يكتب الطريق لا بوصفه مكاناً بل هروباً من معنى مكسور. وفي أوروبا، كان صموئيل بيكيت يجعل الانتظار مسرحاً للعبث، حيث لا يأتي أحد، ومع ذلك يستمر الانتظار.
كانت تلك الأجيال، رغم جراحها، تملك شجاعة الاعتراف بالخراب. لم تزيّنه، لم تُنكره، بل حوّلته إلى سؤال مفتوح. ومن السؤال وُلدت الحداثة، لا كترف فكري، بل كضرورة للنجاة.
أما هنا، في جغرافيا مثقلة بالحروب، فالمفارقة قاسية. سقطت قنابل أكثر، وتهدّمت مدن كاملة، لكن الركام لم يُنتج أسئلة بقدر ما أنتج صمتاً. كأن الذاكرة لم تُجرح فقط، بل بُترت. لا مراجعة جذرية، لا مساءلة للعقل الذي قاد إلى الكارثة، بل إعادة تدوير للغة نفسها التي صنعتها.
اللغة، وهي أخطر ما في الأمر، بقيت كما هي. لم تُمس. ظلت تحمل نفس التسلسل الهرمي، نفس الخضوع، نفس الألقاب التي ترفع البعض فوق البشر وتدفع الآخرين إلى القاع. بينما في الثورة الفرنسية كان أول قرار هو تفكيك اللغة القديمة، لأنهم فهموا أن الكلمات ليست بريئة، بل هي نظام حكم خفي.
في المقابل، عاد كل شيء إلى أصوله الأولى، القبيلة، الدم، الاسم، كأن التاريخ يسير إلى الخلف بثقة غريبة. السلطة لم تتغير، لأنها لم تكن يوماً مجرد نظام سياسي، بل طريقة تفكير، غريزة امتلاك، رغبة في احتكار الحقيقة.
وفي هذا المناخ، يصبح المثقف كائناً مشبوهاً. ليس لأنه أخطأ، بل لأنه لا ينسجم. يُطلب منه أن يكون مقبولاً، ناعماً، بلا حواف. أن يتخلى عن مهمته الأساسية، وهي الشك. وكأن الحقيقة يمكن أن تولد من التوافق العام.
هنا يتضح الفارق. في أماكن أخرى، كان الكاتب يقف ضد التيار، فيُتهم، يُحاكم، يُنفى، لكنه يترك أثراً. أما في بيئات الخوف، فيُطلب منه أن يوقّع على حسن سلوكه، أن يثبت أنه لا يزعج أحداً. أن يتحول من شاهد على العصر إلى موظف لدى وهم جماعي.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو ما يحدث اليوم، حيث تلتقي تلك البنية القديمة مع فوضى حديثة. لم يعد القمع صامتاً كما في السابق، بل صار صاخباً. لم تعد الحقيقة تُخفى، بل تُغرق. فيض من المعلومات، متناقضة، متسارعة، يستهلك طاقة العقل حتى يعجز عن التمييز.
وهنا تلتقي حربان، حرب الذاكرة، وحرب المعنى. الأولى تمحو، والثانية تشوّه. والنتيجة إنسان يعيش في عالم لا يمكن الوثوق به، ولا يملك الأدوات لإعادة بنائه.
الزمن نفسه تغيّر. لم يعد سلسلة يمكن تتبعها، بل حطام أحداث متراكمة. كل يوم يمحو ما قبله، وكل خبر يلغي سابقه. فيسأل الإنسان، لا بدهشة بل بإنهاك، هل هذا هو العالم نفسه الذي كنا نعرفه؟
ومع الوقت، يحدث التحول الأخطر، التكيف. يصبح غير الطبيعي عادياً، والمأساة خبراً، والحقيقة وجهة نظر. هنا لا تعود الهزيمة في الخارج، بل في الداخل، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان حساسيته تجاه الزيف.
ومع ذلك، لا شيء يدوم على هذا النحو. التاريخ، رغم قسوته، لا يحب الفراغ. التناقضات المتراكمة، الصمت الطويل، العطب غير المعالج، كلها لا تختفي، بل تتخمر. السؤال ليس هل سيحدث الانفجار، بل متى وكيف.
حتى ذلك الحين، سيبقى الإنسان معلقاً بين عالمين، عالم يعرف أنه يتداعى، وآخر لم يولد بعد. وفي هذه المسافة، حيث لا يقين ولا أرض صلبة، تصبح المهمة الأصعب، وربما الوحيدة، أن نحافظ على ما تبقى من قدرتنا على رؤية الحقيقة، حتى لو كانت شظايا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر