المنطقوية في المجتمع الكوردي: جذور تاريخية وتحديات راهنة (قراءة نقدية متوازنة) …د. جوتيار تمر

منبر العراق الحر : …إقليم كوردستان ( 6-5-2026)…
في تاريخ الكورد، لم يكن تقسيم الأرض مجرد خطوط على الخريطة، بل نقطة تحول عميقة أسست لعقود من التجزئة الإداري والسياسي؛ منذ معركة جالديران عام 1514، قسمت كوردستان بين العثمانيين والصفويين، وهذه التجزئة لم تخلق حدودا سياسية فحسب، بل أعادت إنتاج أنماط قبلية وجهوية كانت موجودة سابقا، وغذت ظاهرة يمكن تسميتها “المنطقوية” أي تغليب الانتماء إلى العشيرة أو المنطقة أو الحزب على حساب الهوية القومية الجامعة، مع ملاحظة ان هذه الانماط لم تكن في اصلها سلبية بالضرورة بل كانت تؤدي وظائف اجتماعية تنظيمية في سياقها التاريخي قبل ان تتحول تدريجيا الى عائق امام تشكل الوعي القومي الحديث.
هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، ولا هي “خطيئة” أخلاقية يتحملها طرف دون آخر، بل هي نتاج تراكمي لعوامل تاريخية وسياسية واجتماعية، نرى آثارها في توزيع الولاءات السياسية، وفي خطاب المثقفين الذين يعرفون أنفسهم أحيانا بمدنهم أو عشائرهم قبل أن يعرفوا أنفسهم بـ”كوردستانيين”، بل وحتى في الفلكلور، حيث تتحول بعض الأغاني الشعبية من جسور للوحدة إلى أدوات تمجيد محلي، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان هذا التمظهر لا يلغي وجود تيارات ثقافية قومية سعت تاريخيا الى بناء خطاب وحدوي جامع.
من الإنصاف القول إن الأحزاب الكوردية خاصة الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني لعبت دورا أساسيا في الحفاظ على الهوية الكوردية وتأسيس مؤسسات دولة في إقليم كوردستان لم تكن موجودة من قبل، لكن في المقابل، برزت ممارسات أخرى ساهمت في تعميق “المنطقوية” بدلا من حلها، وهذا تناقض يجب مناقشته بصراحة؛ الصراع بين هذه الأحزاب لم يكن مجرد تنافس سياسي على البرامج، بل أعاد أحيانا إنتاج المنطقوية نفسها، حيث رسخ كل حزب نفوذه في منطقة محددة، وأقام مؤسسات تعليمية وإعلامية واقتصادية مرتبطة به، مما جعل الولاء الحزبي يتجاوز الولاء الوطني؛ مع دخول حزب العمال الكوردستاني على خط الصراع في التسعينيات، تحولت بعض المناطق إلى ساحات تنافس دموي؛ هذا التداخل بين العشيرة والحزب جعل المنطقوية أكثر رسوخا، بحيث صار الانتماء الحزبي امتدادا للانتماء العشائري أحيانا، دون اغفال تأثير العوامل الاقليمية والدولية التي غذت هذا الانقسام بشكل مباشر او غير مباشر عبر الدعم او الاحتواء او الصراع بالوكالة.
ويضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي المحرك لهذه الظاهرة؛ فالتفاوت في توزيع الموارد، ومركزية المشاريع التنموية في مناطق دون غيرها، خلق نوعا من “المنطقوية الدفاعية”؛ فحين يشعر الفرد في منطقة معينة بالتهميش الاقتصادي أو غياب العدالة في توزيع الثروة، فإنه يرتد تلقائيا نحو هويته الفرعية (المنطقية أو العشائرية) كدرع للمطالبة بالحقوق، مما يحول الصراع من صراع وطني شامل إلى نزاع جهوي على المكتسبات المادية، وهو ما يمكن تفسيره ضمن مقاربات سوسيولوجية ترى ان الهوية الفرعية تنشط في ظروف الاختلال البنيوي وغياب العدالة التوزيعية.
هذه الانقسامات لا تقتصر على جنوب كوردستان – اقليم كوردستان العراق -، بل تمتد إلى شمال كوردستان – تركيا- ، وشرق كوردستان – إيران -، وغرب كوردستان -سوريا-، حيث تتوزع الولاءات بين الأحزاب والعشائر والمكونات، مع اختلاف السياقات السياسية والقانونية في كل جزء وما تفرضه من اشكال تنظيم وتعبير مختلفة؛ النتيجة أن كوردستان تبقى فسيفساء غنية، لكن ألوانها لا تنسجم دائما لتشكل لوحة واحدة، وحتى الفلكلور لم يسلم من هذا كليا، فبعض الأغاني تمجد مدينة على حساب أخرى، بينما تهمش أعمالا قومية جامعة مثل ملحمة “مم وزين” لأحمد خاني التي دعت صراحة إلى وحدة الكورد؛ قد ينشأ الطفل الكوردي في بيئة تعظم مدينته أو منطقته أو حزبه، وقد لا يلم الصورة الكاملة لكوردستان؛ هذه ليست “خطيئة” فردية، بل فجوة تعليمية وثقافية وتربوية تحتاج إلى معالجة، خاصة في ظل غياب سردية تعليمية موحدة على مستوى كوردستان ككل.
المنطقوية ليست قدرا محتوما، بل تحد يمكن تجاوزه بالوعي والإرادة والمؤسسات؛ معالجتها تحتاج إلى خطوات عملية، وليست مجرد شعارات عاطفية؛ فإصلاح التعليم عبر مناهج دراسية تبرز تاريخا قوميا موحدا، وتعرف الطفل الكوردي بكوردستان كلها، مع نقد موضوعي للعشائرية كعائق للوحدة دون شيطنة للعشيرة ككيان اجتماعي؛ و فصل الحزب عن المنطقة بالضغط على الأحزاب لتبني آليات تداول المناطق وعدم تحويل إقليم معين إلى مملكة صغيرة تابعة لحزب واحد لعقود، مع ضرورة ترسيخ مؤسسات دولة فوق حزبية تضمن حياد الادارة العامة؛ الحزب يجب أن يخدم القومية، لا أن يحل محلها؛ فضلا عن إحياء الفولكلور الجامع عبر مهرجانات قومية مشتركة في مواقع رمزية مثل قلعة أربيل أو مهاباد، أو بحيرة وان، أو قامشلو، تتجاوز حدود العشائر والأحزاب، مع إعادة الاعتبار للرموز الجامعة كرموز وطنية لا حزبية ضيقة؛ كما ان تشجيع لقب “الكوردستاني” وتحويل الهوية من “سوراني أو بهديناني أو كرمانجي أو زازائي” إلى “كوردستاني” في الاستخدام اليومي والحكومي والإعلامي، يعد ضرورة ملحة لغرس الانتمائي القومي الوطني بدل الانتماء المنطقوي، مع التأكيد على ان هذا التحول لا يعني الغاء الخصوصيات اللغوية والثقافية بل ادماجها ضمن اطار جامع، مع الاستفادة من تجارب الآخرين، مثل دراسة النموذج الألماني في توحيد الولايات المختلفة بعد الحرب العالمية الثانية، بل وحتى تجارب مصالحة قبلية في المجتمعات العربية، مع الحذر من النقل الحرفي للتجارب دون مراعاة الخصوصية الكوردستانية.
السؤال الذي يواجه كل كوردي اليوم ليس “من أي عشيرة أنت؟” ولا “من أي حزب أنت؟”، بل “هل أنت كوردستاني أم لا؟”. حين يتحول الانتماء من عشيرتي ومنطقتي وحزبي إلى “كوردستاني”، يصبح الكورد أمة قادرة على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية معا، دون أن يفقد أحد خصوصيته المحلية أو فولكلوره المتنو؛ التنوع غنى، لكنه يتحول إلى ضعف حين لا يجمعنا شيء يعلوه، وهو ما يتطلب بناء وعي جمعي يتجاوز الانتماءات الدنيا دون ان ينفيها.
هذا المقال ليس هجوما على العشائر أو الأحزاب أو المدن؛ هو دعوة للمراجعة الذاتية داخل المجتمع الكوردي، بروح نقدية بناءة، وليس بهدف التدمير أو الإقصاء؛ الجرح التاريخي قد أغلق منذ زمن، لكن ندوب المنطقوية تحتاج إلى علاج مختلف، علاج يقوم على المعرفة والمؤسسات والعدالة قبل الشعارات.

اترك رد