منبر العراق الحر :
في قديم الزمان، كانت هناك مدينة عظيمة تقوم على نهرين كبيرين، وتحيط بها سهول خصبة. كان أهلها يعملون في الزراعة والتجارة، ويكفيهم القليل ليعيشوا بكرامة. لكن مع الزمن، ظهر في أطرافها كهفٌ ضخم في الجبل، لم يكن أحد يجرؤ على دخوله. وقيل إن فيه كنوزًا قديمة تركتها ممالك اندثرت. في البداية كان الكهف مجرد أسطورة. اختفى رجل من كبار التجار، ثم آخر من وجهاء السوق.
وبعدها بدأ يظهر في المدينة رجال غرباء، لا توحي وجوههم بنعمةٍ عاشوها، يرتدون أثوابًا فاخرة لم يعرفها الناس من قبل، يرافقهم ملثمون لا يتكلمون.
ومع الوقت، تكوّنت جماعة غامضة، بينهم وبين الناس حاجزٌ من الصمت والخوف. كانوا يلتقون ليلًا في الكهف، يفتحون أبوابه الحديدية، ويخرجون الذهب والفضة.
لكن الغريب أنهم لم يختلفوا على جمع الكنز، بل على طريقة تقاسمه. كانوا يزنون الذهب بدقة، ويحسبون الحصص فيما بينهم، ويتجادلون حول “النِّسب” و”الاستحقاق”، بينما كانت الأسواق في الخارج تضيق، والناس تبيع ما تملك لتشتري القليل من الطعام.
وفي كل موسم قحط، كانت القوافل تعود إلى الكهف محمّلة بالمزيد من الغنائم، بينما يعود الناس إلى بيوتهم محمّلين بالخيبة.
وفي صمت المدينة، لم يكن الغياب في الكهف وحده، بل في عيونٍ اعتادت النظر دون أن ترى.
ومع مرور الوقت، لم يعد أحد يسأل عن سبب الفقر، بل صار السؤال في المدينة:
“من نال الحصة الأكبر من الكنز هذا العام؟”
أما أهل المدينة، فكانوا يرون أضواء الكهف من بعيد، ويعلمون أن شيئًا ما يُقسم هناك . لكن الباب كان مغلقًا، ولغة الداخل لا تصل إليهم. حتى صار الكهف نظامًا قائمًا بذاته:
يقسم الغنيمة بدقة، ويُبقي المدينة عند حدود الحاجة، كي لا تنهض أكثر مما يجب. وفي أحد الأيام، كتب طفل على جدار المدرسة:
“إن كان الكنز يُنتزع من الجوع ولا يعود إليه، فهل هو ثروة أم جريمةٌ منظّمة؟”
فحُذفت الكتابة في الصباح .
لكن بقي السؤال.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر