العذرية كجرحٍ أول�قراءة في “يوميات عذراء” للكاتبة دينا سليم حنحن …بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

قليل من المجموعات القصصية العربية اليوم تجرؤ على الاقتراب من الداخل الإنساني بهذا القدر من العري والتوتر كما تفعل يوميات عذراء للكاتبة دينا سليم حنحن، الصادرة عن دار شمس للنشر والإعلام في القاهرة عام 2026.
الكتاب، الواقع في نحو 212 صفحة، لا يقدّم “يوميات” بالمعنى التقليدي، بل نصوصًا قصصية قصيرة تتكئ على البوح النفسي، وتتحرك في مساحة دقيقة بين الاعتراف والتفكك، حيث يغيب الحدث لصالح ما يحدث داخل الشخصية.
منذ العنوان، تضع الكاتبة القارئ أمام مفهوم إشكالي: “العذرية”.
غير أن هذه العذرية لا تُقرأ بوصفها براءة أخلاقية، بل بوصفها حالة أولى من التماسك النفسي، سرعان ما تتعرض للتصدع عند أول احتكاك حقيقي بالعالم. ومن هنا، يمكن قراءة المجموعة كلها باعتبارها كتابة في “الجرح الأول”: اللحظة التي تدرك فيها الذات هشاشتها.
في قصة “اسمها خلود”، يتكثف هذا المعنى بوضوح. البطل، القادم من فضاء محافظ إلى المدينة، لا يواجه الحرية بوصفها خلاصًا، بل اختبارًا قاسيًا لقدرته على التماسك. يقول:
“اندفعت نحو الرغبات غير مقاوم…”
وهي عبارة تكشف أن الرغبة هنا ليست خيارًا، بل قوة جارفة تضع الذات أمام ضعفها. لا تكتفي الكاتبة برصد الانزلاق، بل تذهب أبعد، حيث تفقد الشخصية قدرتها على التعرف إلى نفسها، ويتحول القناع تدريجيًا إلى هوية بديلة.
هذا التشقق يمتد إلى الجسد ذاته. في قصة “أغبياء”، يتحول الجسد من مجال للعيش إلى عبء ثقيل. الشخصية المريضة لا تتمسك بالحياة بوصفها قيمة، بل تجد نفسها عالقة فيها، كأن الاستمرار مفروض لا مختار.
هنا، تطرح الكاتبة سؤالًا وجوديًا مباشرًا: هل نعيش لأننا نريد، أم لأننا لا نستطيع التوقف؟
وتكتسب القصة بعدًا إنسانيًا إضافيًا عبر حضور الأم، التي تمثل إصرارًا على الحياة في مقابل رغبة خفية في الانسحاب منها.
في “أغنية في صدري”، يتخذ الحب منحى أكثر قسوة. امرأة تختار الإدمان، ورجل يواصل الانتظار. لا يظهر الحب هنا كقوة إنقاذ، بل كحالة استنزاف صامت، تستمر حتى في غياب أي أمل حقيقي.
أما “الاستسلام بكبرياء”، فتقدّم واحدة من أكثر قصص المجموعة كثافة رمزية. القطة التي تختار الموت بعد أن تؤمّن صغارها لا تمثل مجرد حالة ضعف، بل فعلًا واعيًا يحمل بعدًا من الكرامة.
الموت هنا لا يُقدَّم كهزيمة، بل كقرار، وكأن الكاتبة تعيد تعريف النهاية بوصفها لحظة سيطرة أخيرة.
وفي “البحث عن الذات”، تتجلى حالة التيه التي تهيمن على المجموعة. الشخصية تراقب العالم وتحلله، لكنها تبقى عاجزة عن الإمساك بمعنى ثابت. البحث لا يقود إلى نتيجة، بل يتحول إلى حالة دائمة، وكأن الضياع نفسه صار قدرًا.
تنجح المجموعة في الاشتغال على ثيمات واضحة: تفكك الذات، الجسد كمساحة صراع، الحنين بوصفه عبئًا، وثنائية القرية والمدينة التي لا تقدّم خلاصًا بقدر ما تكشف أن الصراع الحقيقي داخلي.
غير أن بعض النصوص تميل أحيانًا إلى التكرار في المناخ الشعوري، حيث تتقاطع حالات الانكسار دون تنويع كافٍ في البناء السردي، وهو ما قد يخفف من حدة التأثير في بعض المقاطع.
مع ذلك، تظل يوميات عذراء تجربة لافتة في صدقها النفسي، وفي قدرتها على الاقتراب من مناطق حساسة في الوعي الإنساني دون تجميل أو ادعاء.
في المحصلة، تكتب دينا سليم حنحن عن لحظة دقيقة: لحظة سقوط التماسك الأول.
العذرية هنا ليست براءة تُفقد، بل جرح يُكتشف، ومنه تبدأ رحلة التشقق التي تلازم الشخصيات حتى النهاية.
نص لا يمنح قارئه الطمأنينة، لكنه يمنحه ما هو اهم مواجهة صريحة مع هشاشته.



رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية  وموجهة مجموعات 

اترك رد