منبر العراق الحر :
يحتاج العراق إلى أن يستعيد نفسه دولة حقيقية، بعد سنوات من هيمنة الأحزاب السياسية وتوجهاتها ومصالحها ومفاسدها!
يبدأ ذلك بتحرير الوزارات ومؤسسات الدولة من سطوة الأحزاب، التي حوّلتها إلى موارد ريعية لخدمة نفوذها، بدل أن تكون محركات إنتاج وتنمية تعود أرباحها للدولة وتدعم الاقتصاد الوطني.
إن هذا المسار يتطلب موقفًا وطنيًا شجاعًا، وإجراءً سياسيًا عميقًا لا يمكن إنجازه بجهود داخلية معزولة، بل يحتاج إلى إرادة داخلية متماسكة مدعومة بغطاء إقليمي ودولي، وفي ظل تكليف شخصية لرئاسة الحكومة من خارج الطيف السياسي التقليدي” علي الزيدي”، تبرز فرصة تاريخية حقيقية لتصحيح المسار المختل للعملية السياسية.
قد يشكل هذا التوجه صدمة للأحزاب، لكنه ليس مستحيلًا، فكما رضخت سابقًا لضغوط فرضت خيارات غير تقليدية، يمكن أن تقبل بإجراءات ملزمة تستهدف استعادة الدولة من قبضة المحاصصة، وإعادتها إلى مسارها المؤسسي، ويتجسد ذلك في منح رئيس الوزراء صلاحية اختيار وزراء من التكنوقراط المتخصصين، بعيدًا عن الانتماءات الحزبية، ليكون الوزير خاضعًا لسلطة الدولة والقانون، لا لإرادة الحزب.
إن فك ارتباط مؤسسات الدولة بالشبكات الحزبية، وتفكيك تداخلها مع الدولة العميقة ومافيات المال والعقود والنفوذ، يفتح الباب أمام استعادة العراق من قبضة الأحزاب وميليشياتها، ويعيد بناء مؤسسات مدنية وأمنية قائمة على المهنية والسيادة.
من دون هذه الإجراءات الجريئة والعميقة، سيبقى الحديث عن الإصلاح وتشكيل الحكومات، مجرد استنزاف جديد للوقت والمال وحقوق المواطنين.
إن جوهر الديمقراطية لا يقوم على استحواذ الأحزاب على مفاصل الدولة، بل على تمثيل الشعب داخل البرلمان عبر التشريع والرقابة، ومحاسبة السلطة التنفيذية عند الإخفاق، أما الجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فهو الخلل القاتل الذي رافق التجربة السياسية العراقية بعد عام 2003، وقد جاء نتيجة ضعف الخبرة والثقافة السياسية، وغياب الرؤية المستقبلية، وهيمنة ذهنية الماضي على واقع معقد ومفتوح، فاستشرى الفساد وتراجعت الدولة.
وهكذا، ضاعت البلاد تحت شعارات المحاصصة وتقاسم النفوذ، حتى بات المشهد أقرب إلى المثل الشعبي العراقي:
“تحزّم وخذ لك سهم” وهو تعبير مكثف عن ذهنية الغنيمة التي أنهكت الدولة وأفرغت مفهومها من مضمونه الحقيقة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر