في اليوم العالمي لحرية الصحافة … مهند محمود شوقي

منبر العراق الحر :في الثالث من أيار من كل عام، يقف العالم أمام مناسبة بالغة الأهمية، هي اليوم العالمي لحرية الصحافة، ذلك اليوم الذي خُصص للتذكير بقيمة الكلمة الحرة، وبحق الشعوب في الوصول إلى الحقيقة، وبالدور النبيل الذي تؤديه الصحافة حين تكون صوتاً للمجتمع لا صدى للسلطة، ومرآةً للناس لا أداةً لتضليلهم. وقد جاء اعتماد هذا اليوم ليؤكد أن حرية الصحافة ليست امتيازا سياسياً، بل إحدى ركائز الدول الحديثة، وضمانة أساسية لحماية الحقوق وكشف الفساد وتعزيز العدالة.
منذ نشأة الصحافة الورقية الأولى قبل ما يقارب الـ ٤٠٠ عام ، مروراً بالإذاعة والتلفزيون، ثم القنوات الفضائية، وصولاً إلى الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي اليوم ، شهدت الصحافة تحولات كبرى غيرت شكلها وأدواتها وسرعة انتشارها. وفي السنوات الأخيرة دخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا العالم بقوة، فأصبح عاملاً مساعداً للصحفي في جمع المعلومات، وتحليل البيانات، وترجمة النصوص، وصناعة المحتوى، ومتابعة الأحداث لحظة بلحظة. غير أن هذه الثورة التقنية، رغم فوائدها، تضع أمام الإعلام تحديات أخلاقية ومهنية كبيرة، تتعلق بالدقة، والمصداقية، وحدود تدخل الآلة في صناعة الرأي العام.
وفي العراق، بعد عام 2003، شهدت البلاد انفجاراً إعلامياً واسعاً بعد عقود من تقييد الرأي والكلمة. ظهرت عشرات القنوات الفضائية، والصحف، والإذاعات، والمواقع الإلكترونية، داخل العراق وخارجه، إلى جانب مؤسسات إعلامية تمثل أحزاباً سياسية، وأخرى تمولها جهات اقتصادية وأصحاب رؤوس أموال. وبدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه ولادة حقيقية لحرية التعبير، حيث ارتفعت الأصوات، وتعددت المنابر، واتسعت مساحة النقد والجدل.
لكن التجربة، مع مرور الوقت، كشفت أن كثرة الوسائل لا تعني بالضرورة جودة الإعلام، وأن تعدد المنصات لا يساوي نضج الحرية. فقد تحول جزء كبير من هذا المشهد إلى ساحة صراع سياسي وتجاري، وغابت المهنية في كثير من الأحيان أمام الاستقطاب، وتراجع دور الصحافة كسلطة رقابية مستقلة لصالح خطاب التعبئة والتسويق والتشهير. وصار المواطن العراقي، في أحيان كثيرة، هو الخبر اليومي، تُنتهك خصوصيته، وتُستغل معاناته، وتُحوَّل أزماته إلى مادة استهلاكية تتنافس عليها الشاشات والمواقع.
التشتت الإعلامي الذي يعيشه العراق اليوم قد لا يحتاج إلى مزيد من المنابر الإعلامية ، بل يحتاج الى مشروع وطني يعيد الاعتبار للمهنة، ويحمي الصحفي المهني، ويمنح الجمهور حقه في إعلام مسؤول ومتوازن. فحرية الصحافة لا تُقاس بعدد القنوات، بل بقدرتها على قول الحقيقة، وخدمة الناس، وصناعة وعي ينهض بالمجتمع.
وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، تبقى الحاجة قائمة إلى كلمة شجاعة، وقلم نزيه، ومؤسسة تعرف أن رسالتها أسمى من المصالح الضيقة. فالأمم لا تبنى بالضجيج، بل بالمعلومة الصادقة، ولا تنهض بالفوضى، بل بحرية مسؤولة تحفظ كرامة الإنسان وتصون مستقبل الدولة

اترك رد