منبر العراق الحر :
حين أمعن النظر في تلك الظاهرة التي نسميها “عبقرية المكان” في مدينة كالشطرة، العميقة في جذورها كتربة سومرية، والقبلية في هويتها والتي اختلطت فيها الثقافة العشائرية بطين عرق اهلها البسطاء.. أقول عندما أمعن النظر في تلك الظاهرة لا يسعني إلا أن أستحضر ذلك العمل الموسوعي للمفكر المصري الكبير جمال حمدان في كتابه (شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان)، ذلك المفهوم الذي قد يغري بعض الباحثين بإسقاطه دون شعور منهم على جغرافيا مدينتنا الحبيبة، فنتساءل: كيف لمدينة واحدة أن تخرج للعراق رؤساء وزراء كعادل عبد المهدي والكاظمي، وشخصيات محورية كفائق زيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى، وتأتي بآخرين كالدكتور حميد الغزي الأمين العام لمجلس الوزراء.
ولكنني في حقيقة الأمر، أجد أن الواقع السياسي العراقي عصي على مثل هذه القراءات الجغرافية، فأعتقد ان ما ينتج من قادة ليس نتاج سحر الأرض وطبيعتها الصحراوية، بل هو نتاج توازنات سلطة شديدة التعقيد تبتلع بغداد فيها طاقات الأطراف وتستهلكها في أتون صراعات المركز، مما يجعلني أرى أن المقارنة بين هؤلاء المسؤولين ليست مفاضلة بين عباقرة ، بل هي اختبار لمدى قدرة هؤلاء من أقامة مشاريع تنموية وليس مجرد وعود أطلقوها وذهبت في أدراج النسيان، مع الأقرار باستثناءات نادرة كالتي لمستها في أثر الدكتور حميد الغزي الذي يظل في نظري النموذج الأبرز لمن استطاع أن يترك بصمة اعمارية ملموسة في هيكل الدولة المتيبس في محافظة ذي قار.
أما حين أنظر إلى تلك الصورة الفوتوغرافية التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، تجمد اللحظة ويتركز النظر بين السيد علي الزيدي الشطري، مرشح الإطار التنسيقي، والقنصل الأمريكي في مدينة البصرة، فإنني أرفض الانجراف خلف صخب الاتهامات السطحية بالعمالة أو التخوين للزيدي على انه تشريني مجند من المخابرات الامريكية، ففي عالم السياسة العراقية، هذه الصورة ليست وثيقة إدانة ، بل هي وكما أصفه “طقس دبلوماسي” مفروض على كل من يدخل حلبة الصراع على السلطة، حيث يدرك كل من له طموح سياسي، أن الشرعية ليست محلية فحسب، بل هي مزيج هجين يصنع في أروقة السفارات والقنصليات. إن اللقاء بالقنصل الأمريكي لا يعني بالضرورة تحولا في الولاء، بل اعتقد أشبه بمحاولة جس نبض متبادلة، واختبار للقدرة على المناورة، وإثبات للطرف الدولي بأن القادم هو لاعب براغماتي يفهم قواعد اللعبة الدولية ولا يملك ترف الشعارات والعنتريات التي قد تعزله عن منصة القرار. إن محاولة البعض وصم هذا اللقاء بـ العمالة ووصف الزيدي “بحثالة تشرينية”، هي تبسيط مخل لطبيعة النظام الذي يرفض النقاء الوطني ويقبل المناورة، فالمسؤول يجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يبقى خارج اللعبة محتفظاً بشعاراته، أو أن يدخل اللعبة ليغير من الداخل، وهذا التغيير يتطلب بالضرورة الجلوس على طاولات تبدو في نظر الشارع متناقضة.
إن هذه الصورة التي التقطت في أروقة القنصلية الأمريكية في البصرة، إذن هي دليل على محاولة الزيدي بالاندماج في اللعبة، وليست دليلا على الخيانة، فالسياسة في بلادنا أصبحت فن الممكن الذي يفرض على الجميع المصافحة، بينما الأولوية الحقيقية التي يجب أن نحاكمهم عليهاأنا وأنت والشطرة وذي قار وكل مواطن عراقي، هي ما الذي سيقدمه الزيدي أو غيره للناس بعد أن تطوى هذه اللقاءات والمنشورات في السوشيل ميديا؟ في النهاية يظل الحكم الحقيقي ليس فيمن التقى به المرشح في الغرف المغلقة، بل في قدرته على الانفصال عن إغراءات السلطة والعودة ليقف في صف العراق والمدينة المنكوبة التي خرج منها. التاريخ لا يذكر من التقطوا الصور، بل يذكر من وضعوا الحجر في بناء حقيقي، ومن كانوا صوتا لمن لا صوت له، لذا يفترض إن جل اهتمامنا الآن ليس هوية من جالس القنصل الامريكي وصافحه، بل هوية من سيملك الشجاعة لانقاذ ما يمكن انقاذه من الخراب الذي نغرق فيه ، لا كسياسي يبحث عن شرعية دولية، بل كخادم يدرك أن بقاءه في ذاكرة الناس مرهون بما يتركه من أثر…
ذلك الأثر الذي لم تفلح بتحقيقه الحثالة السياسية الحاكمة في العراق…
اللهم إلا أثر الخراب في العراق الذي امتد الى كل شيء.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر