«هرمز على حافة الانفجار» … الفريق الركن صباح نوري العجيلي

منبر العراق الحر :

⏺️ المقدمة:

منذ اندلاع المواجهة الأمريكية – الإيرانية الأخيرة،لم يعد الصراع مقتصرًا على الضربات الجوية أو البرنامج النووي أو القدرات الصاروخية، بل انتقل تدريجيًا إلى ساحة أكثر حساسية وخطورة هو مضيق هرمز، الشريان البحري الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية.

ومع تصاعد عمليات التفتيش والملاحة البحرية، وارتفاع وتيرة الاحتكاك بين بحرية وزوارق الحرس الايراني والقوات البحرية الامريكية، بدأت ملامح “حرب ناقلات” جديدة تتشكل، تختلف عن حرب الثمانينيات من حيث الأدوات والظروف، لكنها تتشابه معها في التأثير الاستراتيجي على أمن الخليج والاقتصاد العالمي.

أعلن الرئيس الأميركي ترامب إطلاق عملية تحمل اسم”مشروع الحرية” (Project Freedom) بهدف تأمين خروج السفن التجارية العالقة في مضيق هرمز وإعادة فتح خطوط الملاحة البحرية وذلك صباح الاثنين الرابع من مايس . وبحسب التصريحات والتقارير المتداولة: العملية تُقدَّم أميركياً على أنها مهمة إنسانية لحماية الملاحة الدولية وليس إعلان حرب مباشر. وتعهدت واشنطن بمرافقة أو إرشاد السفن التجارية عبر الممرات البحرية الآمنة. والعملية جاءت بعد طلبات من دول تعتبر نفسها غير منخرطة في الصراع لكنها تضررت من تعطّل الملاحة. لكن إيران حذّرت من دخول أي قوة أجنبية للمضيق دون تنسيق معها، ما يرفع احتمالات الاحتكاك العسكري.

استراتيجياً، هذه الخطوة تعني أن الأزمة انتقلت من حرب ردع وضغط اقتصادي الى مرحلة حماية الممرات بالقوة البحرية الامريكية.

1️⃣ أهمية مضيق هرمز

 يُعد مضيق هرمز واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم،إذ يربط الخليج العربي بخليج عمان ثم بحر العرب والمحيط الهندي. وتعبر من خلاله يوميًا كميات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي القادمة من دول الخليج، ما يجعله شريان الطاقة العالمي الأول. وتكمن أهمية المضيق في:

◾️ تمر عبره صادرات النفط الرئيسية لكل من السعودية،العراق، الكويت، الإمارات، وقطر، إضافة إلى النفط الإيراني نفسه.

◾️ يمثل نقطة اختناق جغرافية ضيقة يمكن التأثير عليها عسكريًا بسهولة نسبية.

◾️تؤدي الاضطرابات فيه إلى ارتفاع أسعار النفط وأسواق التأمين والشحن العالمية.

◾️تعتمد عليه الاقتصادات الصناعية الكبرى في آسيا وأوروبا بشكل مباشر.

لهذا السبب، ظل المضيق لعقود جزءًا من معادلة الردع الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة والغرب.

2️⃣ الموقف في المضيق:

شهدت المرحلة الأخيرة تصاعدًا واضحًا في عمليات المراقبة والتفتيش والاحتجاز البحري، الأمر الذي خلق حالة من”خنق الملاحة الجزئي” دون الوصول إلى الإغلاق الرسمي

الكامل للمضيق. وقد تمثلت أبرز ملامح الموقف الحالي في:

◾️تشديد الحرس الثوري الإيراني رقابته على حركة السفن.

◾️تزايد استخدام الزوارق السريعة والمسيرات الجوية والبحرية.

◾️ارتفاع تكاليف التأمين البحري على الناقلات.

◾️لجوء بعض شركات النقل إلى تقليل المرور أو تغيير المسارات.

◾️تصاعد المخاوف الدولية من انزلاق الوضع إلى مواجهةبحرية مباشرة.

هذا الوضع خلق حالة ضغط اقتصادي غير معلنة،استخدمتها طهران كورقة تفاوض استراتيجية دون إعلان حرب بحرية شاملة.

3️⃣ رؤية طهران: السيطرة على الملاحة

 ترى طهران أن وجودها العسكري في مضيق هرمز ليس عملاً عدائيًا، بل “حق طبيعي وسيادي” نابع من موقعها الجغرافي وإشرافها المباشر على الضفة الشمالية للمضيق.وتستند الرؤية الإيرانية إلى عدة اعتبارات اهمها:

أمن المضيق يجب أن يكون بيد دول المنطقة لا القوات الأجنبية. وان الوجود الأمريكي البحري يمثل تهديدًا مباشرً اللأمن القومي الإيراني. وان العقوبات الاقتصادية ومحاولا تخنق صادرات النفط الإيرانية تبرر الرد بالمثل عبر الضغط على الملاحة الدولية. ومن هذا المنطلق، تحاول طهران تكريس معادلة جديدة مفادها:

“إذا مُنعت إيران من تصدير نفطها بحرية، فلن يكون تدفق نفط الآخرين آمنًا بالكامل”. المطالبة بإضافة ملف هرمز إلى المفاوضات النووية والصاروخية. حيث كان التركيز ينصب على ملفين أساسيين: البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية. إما اليوم، فقد دخل ملف أمن الملاحة في مضيق هرمز رسميًا ضمن معادلة التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران.

4️⃣ الورقة التفاوضية بين الطرفين:

أصبحت الطاولة التفاوضية بين الطرف الأمريكي والايراني تشمل:

◾️تخصيب اليورانيوم.

◾️الصواريخ والطائرات المسيّرة.

◾️نشاط الوكلاء الإقليميين.

◾️أمن الملاحة والطاقة العالمية.

وهذا التطور يعكس إدراكًا أمريكيًا متأخرًا بأن إيران استطاعت تحويل الجغرافيا البحرية إلى أداة ضغط استراتيجية لا تقل أهمية عن البرنامج النووي نفسه.

5️⃣ التأثيرات الاقتصادية العالمية:

يتعامل الاقتصاد العالمي مع مضيق هرمز باعتباره شريانًا للطاقة وليس مجرد ممر ملاحي. اما تأثيراته على المستوى العالمي:

◾️أي اضطراب في المضيق ينعكس فورًا على أسعار النفط.

◾️ارتفاع أقساط التأمين البحري.

◾️اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

◾️تأثر الاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة.

◾️انعكاسات محتملة على التضخم العالمي وأسواق المال.

6️⃣ الحرب على مضيق هرمز: المعادلة الجديدة

المعادلة الجديدة لا تقوم على إغلاق المضيق بشكل كامل، لأن ذلك سيضر بإيران نفسها، بل على:

◾️التحكم بمستوى التهديد.

◾️خلق حالة قلق دائم للملاحة.

◾️رفع الكلفة الاقتصادية والسياسية على واشنطن وحلفائها.

◾️استخدام التهديد البحري كورقة ضغط تفاوضية.

7️⃣ دور بحرية الحرس الإيراني:

برز دور بحرية الحرس الإيراني بصورة لافتة، خاصة في توظيف:

الزوارق السريعة.

المسّيرات الجوية

المسيّرات الانتحارية البحرية.

نشر الألغام الذكية.

الصواريخ الساحلية المضادة للسفن.

تكتيكات “أسطول البعوض” القائمة على الإغراق العددي والزخم الهجومي.

8️⃣ التقدير الامريكي للتحول البحري الايراني:

ركزت واشنطن في بداية الأزمة على الردع الجوي والصاروخي أكثر من التركيز على البعد البحري، قبل أن يتضح تدريجيًا أن مضيق هرمز تحول إلى مركز ثقل استراتيجي في إدارة الضغط الإيراني.

يبدو أن واشنطن لم تتعامل منذ البداية مع ملف هرمز باعتباره مركز الثقل الحقيقي في الصراع وبحسب تصريحات متداولة لقيادات عسكرية أمريكية، فإن قائد القيادة المركزية الأمريكية كان قد طرح منذ بداية الحرب بضرورة التعامل المبكر مع احتمالات السيطرة الإيرانية على المضيق، لكن المقترح لم يحظَ بالموافقة داخل البنتاغون. هذا التردد منح إيران وقتًا كافيًا لترسيخ حضورها العملياتي في المضيق وتحويله إلى ساحة ضغط يومية.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار أن الحرس الثوري نجح في:نقل المعركة من البر إلى البحر واستنزاف الخصم اقتصاديًا دون حرب شاملة. وبالتالي فرض واقع أمني جديد في الخليج.

9️⃣ السيناريوهات المتوقعة:

السيناريو الأول: فتح ممر بحري أمريكي في المضيق مع استمرار التفاوض

يقوم هذا السيناريو على: قيام البحرية الأمريكية بتأمين”ممرات بحرية خاصة” للناقلات. واستمرار الهدنة غير المعلنة مع مواصلة التفاوض غير المباشر برعاية باكستان أو أطراف إقليمية أخرى.

السيناريو الثاني: الاصطدام البحري المباشر

 ويتمثل في وقوع مواجهة بحرية بين: البحرية الأمريكية و زوارق الحرس الثوري السريعة. وهنا يظهر تكتيك”أسطول البعوض”، القائم على مهاجمة القطع البحرية الكبيرة بعدد هائل من الزوارق الصغيرة السريعة والمسيّرات.هذا السيناريو قد يؤدي إلى:

استهداف ناقلات النفط. وضرب منصات بحرية. وتوسيع الاشتباك إلى كامل الخليج. لكنه يبقى محدودًا نسبيًا إذا جرى احتواؤه سياسيًا بسرعة.

السيناريو الثالث: تشكيل قوة بحرية دولية لتامين المضيق

في حال تشكيل هذه القوة، فمن المرجح أن تضم:

الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

مساهمات بحرية من بعض دول حلف الناتو.

مشاركة آسيوية محتملة من اليابان أو كوريا الجنوبية أو الهند بسبب اعتمادها الكبير على نفط الخليج.

دعم لوجستي وميداني من دول الخليج العربية.

السيناريو الرابع: العودة إلى القتال

وهو السيناريو الأخطر، ويتمثل في: انهيار التفاوض بالكامل وعودة الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.ودخول الحلفاء الإقليميين على خط المواجهة. ونقل الحرب إلى العراق وسوريا ولبنان والخليج والبحر الأحمر. وفي هذه الحالة، يتحول مضيق هرمز إلى مركز الصراع العالمي على الطاقة، مع احتمالات ارتفاع هائل في أسعار النفط وتهديد الاقتصاد الدولي بأزمة كبيرة.

🔟 السيناريو الأكثر احتمالية:

السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في بقاء المضيق مفتوحًا تحت حماية بحرية دولية جزئية، مقابل استمرار إيران في استخدام التهديد البحري كورقة ردع وضغط سياسي دون الوصول إلى الإغلاق الكامل. أي أن الطرفين قد يتجهان نحو”إدارة التوتر” بدل الحسم العسكري المباشر.

⏺️ الخاتمة:

  لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي لعبور النفط، بل أصبح أداة استراتيجية في الصراع بين إيران والولايات المتحدة. حيث تمكنت طهران من تحويل الجغرافيا البحرية إلى ورقة ردع وضغط سياسي، بينما اكتشفت واشنطن متأخرة أن السيطرة على البحر قد تكون أكثر تعقيدًا من السيطرة الجوية.

ومع دخول ملف هرمز رسميًا ضمن معادلة التفاوض النووي والأمني، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها:”أمن الطاقة مقابل أمن النظام الإقليمي”.

وفي ظل هذا المشهد، تبقى حرب الناقلات أخطر من مجرد مواجهة بحرية، لأنها تمثل اختبارًا مباشرًا لقدرة القوى الكبرى على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.

والأرجح خلال المرحلة المقبلة هو: “مضيق متوتر لكنه مفتوح” أي لا سلام حقيقي، ولا حرب شاملة، بل حالة استنزاف وضغط متبادل وإدارة دقيقة لحافة الهاوية. وهذا ما يجعل مضيق هرمز مرشحًا للبقاء كأحد أخطر بؤر التوتر في العالم خلال السنوات القادمة.

وهكذا، فإن مستقبل مضيق هرمز لن يتحدد فقط بحجم القوة العسكرية الموجودة فيه، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على ضبط قواعد الاشتباك ومنع تحول الردع البحري إلى شرارة صدام إقليمي واسع قد يتجاوز حدود الخليج إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

اترك رد