منبر العراق الحر :
كبرنا ونحن نؤمن بالله، أحيانًا كما وجدنا عليه آباءنا، ثم مع مرور الزمن تتراكم المعرفة والتجربة والتأمل، فيتحول الإيمان من مجرد تسليمٍ موروث إلى يقين أعمق، تتداخل فيه الفكرة مع الدليل، والعقل مع الفطرة. ومع هذا التحول، تبدأ بعض الآيات القرآنية بالظهور كأنها تُقرأ لأول مرة، لا من جهة الإيمان بها، بل من جهة إدراك عمق بنائها ودلالاتها المتعددة.
ومن أكثر ما استوقفني في قصة أم موسى عليه السلام قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾
ثم يتبع ذلك:
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾
ثم لاحقًا:
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾
السؤال التأملي هنا: لماذا يبدأ التوجيه الإلهي بـ “أرضعيه” قبل لحظة الابتلاء الكبرى؟
وهل يمكن فهم هذا الترتيب في ضوء التكوين النفسي والعصبي للإنسان؟
هذا المقال محاولة تأملية، لا تدّعي تقديم تفسير قطعي، بل تقارب النص من زاوية تجمع بين
القراءة الإيمانية والمعطيات الحديثة في علوم الأعصاب والنفس.
أولًا: التأسيس الحسي المبكر للارتباط من منظور علم الأعصاب (Neuroscience)، لا يُنظر إلى دماغ الرضيع بوصفه جهازًا مكتمل البنية، بل كمنظومة عصبية في طور التشكّل السريع، تعتمد على الخبرات الحسية المبكرة في بناء روابطها الوظيفية.
وتشير الدراسات النمائية إلى أن خبرة الرضاعة تمثل تجربة متعددة الحواس في آنٍ واحد، تتكامل فيها أنظمة الإدراك المختلفة. حيث يتشكل الإدراك السمعي المتمثل في صوت الأم ونبرته وإيقاعه، ويرتبط مبكرًا بتنظيم الاستجابات الانفعالية لدى الرضيع. كما يتشكل الإدراك الشمي المرتبط برائحة الأمومة المميزة، والتي تُعد من أكثر الإشارات ثباتًا في الذاكرة الحسية المبكرة. ويضاف إلى ذلك الإدراك اللمسي الناتج عن الاحتضان وحرارة الجسد وما يصاحبه من تنظيم فسيولوجي لحالة التوتر، وكذلك الإدراك الذوقي المرتبط بطعم الحليب بوصفه أول خبرة تغذوية – عاطفية في حياة الإنسان. أما الإدراك البصري، فيبقى في هذه المرحلة إدراكًا أوليًا محدود الدقة لشكل الوجه، يعتمد على التقاط أنماط عامة عالية التباين أكثر من إدراك الملامح التفصيلية الدقيقة، مما يجعل دوره مساعدًا في بناء الارتباط المبكر مقارنة ببقية الحواس. هذه الخبرات الحسية لا تبقى في مستوى التمييز السطحي، بل تُدمج داخل شبكات عصبية معقدة. وترتبط هذه العمليات بالبنى الدماغية المسؤولة عن العاطفة والذاكرة، ولا سيما اللوزة الدماغية (Amygdala) والحُصين (Hippocampus)، حيث تتشكل أنماط الارتباط المبكر بين الإحساس بالأمان ومقدم الرعاية الأساسي.
ثانيًا: البعد الهرموني في بناء الارتباط
يرتبط هذا التفاعل الحسي المبكر بآليات بيولوجية دقيقة، يتم خلالها إفراز هرمون الأوكسيتوسين (Oxytocin) أثناء الرضاعة والتلامس الجسدي بين الأم والطفل، وهو هرمون يُسهم في تعزيز الشعور بالأمان وتقوية الروابط الاجتماعية المبكرة. ولا يقتصر تأثير هذا الهرمون على كونه استجابة لحظية، بل يشارك في تشكيل أنماط ارتباط أولية بين الطفل ومقدم الرعاية الأساسي، تُعد من اللبنات المهمة في التوازن العاطفي اللاحق.
ثالثًا: منظور علم النفس النمائي
وفقًا لنظرية التعلق (Attachment Theory) التي طورها John Bowlby، فإن العلاقة الأولى الآمنة في حياة الإنسان تُشكّل ما يُعرف بالنموذج الداخلي للعلاقات، وهو إطار ذهني عاطفي يؤثر لاحقًا في إدراك الذات والعالم والآخرين. وبناءً على هذا التصور، فإن التفاعل المبكر بين الطفل ومقدم الرعاية لا يُعد حدثًا عابرًا، بل عملية تراكمية تُسهم في تشكيل بنية نفسية ممتدة التأثير عبر مراحل النمو المختلفة.
رابعًا: قراءة تأملية في السياق القرآني
في ضوء هذه المعطيات، يمكن النظر إلى قوله تعالى:
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾
كتأسيس مبكر لعلاقة ارتباط إنساني عميق، لا يقتصر على التغذية، بل يشمل بناء منظومة حسية وعاطفية متكاملة في أكثر مراحل الإنسان حساسية.
ثم تأتي لحظة الابتلاء:
﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾
كحدث انفصال جسدي شديد، لا يلغي بالضرورة أثر الارتباط النفسي المتشكل سابقًا.
ويأتي بعدها قوله تعالى:
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾
وهو ما يمكن تأمله في سياق انسجام التدبير الإلهي مع الفطرة الإنسانية، ضمن مسار القصة.
خامسًا: مستويات الفهم الممكنة للقصة
يمكن قراءة هذا المشهد القرآني عبر مستويات مترابطة:
المستوى الإيماني الغيبي: القائم على التدبير الإلهي المحكم وتوجيه الأحداث وفق حكمة عليا.
المستوى الإنساني النفسي: المتعلق بتشكل الارتباط العاطفي المبكر بين الطفل ومقدم الرعاية الأساسي.
المستوى العصبي: الذي يشرح آليات بناء الشبكات العصبية المرتبطة بالذاكرة والانفعال في المراحل المبكرة من الحياة .
المستوى الفلسفي: الذي يعكس أن الروابط الأولى في حياة الإنسان تُشكّل أساسًا عميقًا لهويته وإدراكه للعالم. هذا الطرح لا يُقدَّم كتفسير نهائي، بل كتأمل قابل للنقاش والتصويب. فالعلم في تطور مستمر، وفهم الإنسان لنفسه ولدماغه ما يزال يتسع، بينما يبقى النص القرآني مفتوح الدلالة على مستويات متعددة من التدبر. وفي النهاية، فإن قيمة هذا النوع من القراءة لا تكمن في حسم المعنى، بل في محاولة الاقتراب من فهم أعمق للإنسان:
كيف يُبنى ارتباطه الأول، وكيف تتشكل ذاكرته العاطفية، وكيف تتداخل الخبرة المبكرة مع تكوينه اللاحق في صورة أكثر تعقيدًا مما يبدو في الظاهر.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر