منبر العراق الحر :كان من ابرز الفعاليات المتميزة التي اختتمت فيها فعاليات احياء ذكرى مرور ربع قرن على رحيل محمد مهدي الجواهري، شاعر العراق والعرب، الجواهري التي صادفت 2022.7.27 افتتاح رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، وبحفل مهيب، بيت الشاعر الخالد، الاول والاخير في العراق، اتممته امانة العاصمة العراقية، بغداد ..
* وجاء الافتتاح بعد نحو احد عشر عاما مرت على اطلاق كتابات ومطالبات وحملات اعلامية داخل البلاد وخارجها، بادر اليها مركز “الجواهري” الثقافي وتابعها، ليعلن بعدها أمين العاصمة الاسبق، صابر العيساوي عام2011 قراراً باستملاك ذلكم البيت الواقع في منطقة القادسية / حي الصحفيين، بهدف منع بيعه تجارياَ من ورثته، ودثره .. وقد تم لاحقا تحويله ارثاً ثقافياً ووطنياً، وإلى متحف يضم ما تبقى من مقتنيات وآثار شاعر الأمتين، العراقية والعربية، التي تناهبتها الأحداث، والمغتربات، وآخرهما اغترابه في العاصمتين التشيكية والسوريـة: براغ ودمشق…
* ومنذ ذلك التاريخ الى اليوم صار البيت (المتحف) مزارا للناس: نخبا وعموما، عراقيين وعربا، وحتى اجانب، اذ تستمر امانة بغداد برعايته، بهذا المدى او ذلك، وجهد ما استطاعت، وبطموح عند المعنيين من المؤرخين والادباء والمثقفين ، بمزيد من الاهتمام والترتيب، وتطوير ادارته وفعالياته بما يتناسب ورموزية صاحب “انا العراق” و”دجلة الخير” و”آمنت بالحسين” و”قلبي لكردستان” و”ذكرى عبد الناصر” و”سجا البحر” و”لغة الثياب” وسواهن من قصائد عصماء تؤرخ للعراق وتؤطر بعضا من عطاء ونبوغ الجواهري الوطني والعربي والانساني ..
* ونوثق ان البيت، المعني، هو الوحيد، ولنقل: الأول والأخير، الذى تملكه الجواهري في العراق، مبنى اعتيادي تبلغ مساحته مع حديقته: 540 متراً مربعاً،، شيّــد على قطعة من الأراضي التي وزعتها الدولة، ذات زمان، على الصحفيين … وقد انجزت اعمال بنائه أواخر العام 1971 بشكل متواضع، وغُطيت نفقاته بين تمويل ذاتي، وقرض من البنك العقاري، وديون شخصية… وقد سكنه الجواهري وهو رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين آنذاك، منتقلاً إليه من دار مؤجرة منذ عام 1968 في حيّ الداوودي، عند عودة شاعر البلاد العراقية إليها، بعد “سبع عجاف” قضاها اضطراراً في اغترابه الأول إلى بـراغ، بدءاً من عام 1961 حين “لم تكفل له الأوطان دارا”…
* وبيت “ابن الفراتين” الذي نتحدث عنه ليس سوى مبنى تقليدي يتألف من ثلاث غرف نوم، وواحدة للاستقبال، وأخرى للجلوس، مع المرافق الضرورية.. وقد شهد طوال عقد السبعينات الماضية أحداثاً ووقائع وتفاصيل متشابكة لمديات بعيدة في الشؤون والشجون الوطنية والثقافية والشعرية وما إليها، وما بينها…
* وذلكم البيت، ونكرر انه الأول والأخير، والوحيد، على ما ندري ونؤكد بيقين، تملّكه الجواهري، بعد ترحال وإقامة واغتراب، وتغرب، وهو لا يحمل معه غير “منقار وأجنحة” على مدى نصف قرن … وفي ليالي ذلك البيت، ونهاراته، أينعت العبقرية الشعرية قصائد ومطولات عديدة، فيها ومنها الانساني، والوطني والاجتماعي والوجداني، ولافكاك بينها من التداخل والتلازم مع الهموم والانشغالات الفكرية والسياسية والاجتماعية وما إليها…
* وعلى مدى السنوات العشر – تقريباً – وللفترة (1971-1980) تحديدا، التي عاشها الرمز العراقي في بيته المقصود، عصفت بالبلاد وأهلها محنٌ هنا، ومآسٍ هناك، تحت سلطة الحزب الواحد فالعشيرة، فالعائلة فالفرد… وقد كان الجواهري يعيش تلك الأجواء الأليمة، بكل صبر، وان تغلفت أحياناً ببراقع، وترقيع، تفاءلَ بها البعض غير القليل، بآمال وتمنيات ولحد المبالغة في أحايين عديدة…
* وبهذه الحال كان ذلك البيت ذاته – لا غير – مزار أطياف ونخب سياسية متباينة الرؤى والمسؤوليات، وحتى الوفاء احياناً، فبعضها صادق أمين، وآخر متزلف متدثر بألف زيٍ وزيّ، ولكنها كانت جميعاً، في حضرة الجواهري – على ما نشهد – دعاة تآلف ومحبة، وان راحت احياناً في الأقوال وحسب…
* كما ان البيت (ثم المتحف لاحقا)، بات ملتقى للنخب الفكرية والثقافية والشعرية، من كل النحل والرتب، تؤم مقام الجواهري: مودة وتلمذة وتباهياً، دعوا عنكمو الآخرين الذين كانوا يريدون صكوك الغفران. وكم يطول التعداد، ويعرض، ويعلو، لمن زار، وأحـبَّ، وتبارك بزيارة أو لقاء أو حديث مع الشاعر الرمز…
* وإضافة لكل ما تقدم، شهد ذلك “البيت” التاريخي منح الجواهري جائزة “لوتس” عام 1975 وولادة أول جمع وتدوين لتراثه الشعري في مجموعة هي الاولى من نوعها حتى اواخر السبعينات، ونعني بها الأجزاء السبعة (1973-1980) التي أشرف عليها، مع حفظ الالقاب، الذوات: مهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر وابراهيم السامرائي ورشيد بكتاش… كما راحت تترى من البيت ذاته مختارات الجواهري لعيون الشعر العربي، أواسط السبعينات لتنشرها صحيفة الجمهورية البغدادية بمتابعة محمد حسين الأعرجي … ذلكم إلى جانب ما شهده – البيت- من مقابلات وحوارات تاريخية مع الجواهري ومن أهمها على ما نزعم الحواران التي انجزهما محمد الجزائري عام 1975 وحسن العلوي عام 1979…
* ومن ذلك البيت الذي نوثق له، وعنه، كانت انطلاقات الجواهري لعواصم عربية وعالمية عديدة: رئيساً لوفود أدباء العراق في مؤتمرات ومشاركات رسمية، أو ضيفاً أول على فعاليات ومهرجانات عديدة: شعرية وثقافية وغيرها، ومنها في دمشق وتونس وصوفيا وموسكو والدوحة والكويت وابي ظبي وعديد سواها، اضافة الى براغ التي بقيّت “جنة الخلـد” عنده … ذلك الى جانب ” فراره ” من البلاد لفترات متفاوتة الى القاهرة والرباط واثينا… مخاصماً وغاضباً ومغاضباً، مسؤولين وحساد وحاقدين، بل وحتى محبين “علهّم كانوا حيارى في مفترق الطرق” ..
* وفي ذلك البيت ايضا، اينعت روائع جواهرية، ومقطوعــــات وجدانيـــة ووطنية واجتماعية عديدة، نحصر منها : مطولة “حبيبتي” عن زوجته آمنة… مناجاة “يا فرحة العمر” عن شقيقتـــه نبيهة … مقطوعة “ابا مهند” إلى نديمه مهدي المخزومي بائية “إلى وفود المشرقين” في تجمع عالمي ببغداد… دالية “أزح عن صدرك الزبدا” المجلجلة في احتفاء اقيم له في النجف… ” فتى الفتيان” عن صديقه “المتنبي” في مهرجان مهيب ببغداد … ولامية “أم الربيعين” خلال احتفال تكريمي خاص به في جامعة الموصل …
* كما، نظمت في ذلك البيت قصائد مجاملة، كان بعضها استجابة لمناشدات – كنا شهود عيان على بعضها – وذلك من شخصيات وطنية، لكي يلقي شاعر البلاد، ورمزها العظيم، بثقله، ويحاول تأخير انقضاض سلطات البعث -ولو لبعض الوقت – على الأحزاب والقوى الوطنية “المتحالفة” معها أو “المعارضة”… ومعلوم طبعاً ما جرى خلال عقد السبعينات الماضية من عسف وقمع وارهاب شمل الالاف من العراقيين، عربا وكردا واقليات، وطنيين وديمقراطيين وعداهم..
* ثم، ومن ذلك البيت الذي نؤرخ له، لجأ الجواهري إلى الاغتراب مجدداً، غضباً، وموقفاً من سياسات وتوجهات السلطات الحاكمة، فغادر إلى براغ أولاً مطلع العام 1980 ثم ليتناصف الاقامة بينها ودمشق منذ عام 1983 وحتى رحيله عام 1997…
* ثم دعونا نوثق بايجاز مما توفر لنا سريعا بهذا السياق، فننقل عن ” أميرة ” ابنة الجواهري الكبرى في حديث خاص معنا في دمشق (آيار 2000) : ان والدها لم يفكر يوماً بتملك بيت، طيلة أربعين عاماً تقريباً وحتى عام 1971 وكان التنقل في بيوت الايجار ( في الحيدرخانه، الجعيفـر، الاعظمية، الكرادة … وغيرها من مناطق بغداد) سمة مميزة تنسجم ومزاجه المتمرد والكاره للرتابة…. وقد توفرت له فرص للتملك إلا انه “ضيعها” غير آسف عليها”..
* وحول الموضوع ذاته يقول حسن العلوي في كتابه “الجواهري رؤية غير سياسية” الصادر عام 1985: اصطحبت معي في العام 1979 الى بيت الجواهري بعثة صحفية لقضاء يوم كامل على غير موعـد معه فسجلت عدسة المصور الفنان الراحل “محمد علي حسن” زوايا لم تكن مخفية على عيون زائريه… ودخل حتى غرفتي النوم والمطبخ … ولم يجد مكتبة، لكنه وجد رفوفاً. ولم يجد مطبخاً ولكنه وجد قدرين من الألمنيوم القديم… كما ولم تكن للجواهري غرفة نوم مستقلة، وكان يضع ملابس الشتاء في حقيبة تحت سريره، ويعلق على الحائط ملابس الصيف. ويفعل العكس في الشتاء….
* كما نشير بهذا الصدد لما نشره فوزي كريم (الشرق الأوسط اللندنية 4/11/1991) في موضوع مسهب عن الجواهري نقتطع منه: “كان بيت الجواهري متواضعاً، كنا نقتحمه احياناً آخر الليل، أنا وسعدي يوسف، مدفوعين بأكثر من هاجس شيطاني، قراءة لبيت مثلاً: “الحمد للتاريخ حين تحولت …تلك المرافه فاستحلن متاعبا” او عبارة واحدة “با نبتة البلوى” يخاطب بها جياع الشعب. أو كلمة “تقحم” او “خسئوا”.. وكان الجواهري يستقبلنا دون ترحاب معظم الأحيان قائلاً : “الساعة الواحدة يا جماعة. ويتأمل ساعته ونحن نبصبص تحت الطاولة. لا تخلو طاولة الشاعر في الليل. كنا نعرف ولكن من يجرؤ في ساعة كهذه أن يسأل. ونسترضي ابا فرات، نقول: “أنت تعرف محبتنا ” ونغني له طربين من شعره….. فيستجيب …”
* اخيرا اذ نختتم هذه اللقطات التوثيقية دعونا نعـدّ ان نكتب في قريب عاجل لقطات جديدة، وهذه المرة عن “البيت ” بعد تحوله الى متحف ومنارة ببغداد، وما برح يشهد الكثير من الزيارات والوفود لرمز عراقي أرخ شعرا ومواقف لعقود من تاريخ البلاد الحديث بافراحها واتراحها ..
* رواء الجصاني رئيس مركز “الجواهري” الثقافي
————————————————————————-
الصورتان المرفقتان:
* الاولى: بالاسود والابيض للجواهري في باحة منزله الخارجية اواسط السبعينات الماضية..
* الثانية: من الزيارات والفعاليات الاخيرة لبيت (متحف) الجواهري/ اوائل عام 2026


منبر العراق الحر منبر العراق الحر