ترامب والمالكي وبينهما العراق ….‏محمد النصراوي

منبر العراق الحر :
‏تتجه الأنظار اليوم نحو بغداد التي تجد نفسها مجدداً في قلب عاصفة لا ترحم، حيث يتصادم طموح العودة إلى السلطة مع “فيتو” القوة العظمى في مشهد يعيد صياغة مفهوم السيادة والتبعية في الشرق الأوسط، إن المواجهة الراهنة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ليست مجرد خلاف دبلوماسي طارئ، بل هي لحظة كاشفة لمستقبل العراق التائه بين مطرقة “الصفقات” الترامبية وسندان “التمكين” المحلي المدعوم إقليمياً.
‏في واشنطن، لم يعد العراق يُرى من منظور “بناء الديمقراطية” أو “الالتزام الأخلاقي”، بل من عدسة نفعية بحتة يقودها ترامب، الذي يرى في المالكي رمزاً لحقبة “الفشل الأمريكي” ونافذة مفتوحة للنفوذ الإيراني الذي تعهد بتقويضه؛ وفي بغداد، يتمسك المالكي، الرجل القوي في “الإطار التنسيقي”، بشرعية الصندوق وضرورة الاستقلال عن الإرادة الأجنبية، معتبراً أن ترشيحه لرئاسة الحكومة هو استحقاق انتخابي وسيادي لا يقبل المساومة؛ وبينهما، يقف العراق دولةً وشعباً، بانتظار مصير قد تحدده “تغريدة” من منصة “تروث سوشيال” أو “بيان” من مكاتب المنطقة الخضراء.
‏لم يكن “الفيتو” الذي وضعه ترامب على ترشيح المالكي وليد الصدفة، فالتاريخ بين الرجلين مثقل بالاتهامات المتبادلة؛ إذ يحمل ترامب المالكي مسؤولية صعود تنظيم “داعش” في عام 2014 وانهيار المؤسسة العسكرية العراقية حينها، وهو ما استخدمه ترامب مراراً كدليل على “غباء” الإدارات الأمريكية السابقة التي أنفقت التريليونات في العراق لتسلمه في النهاية -حسب وصفه- إلى نفوذ طهران.
‏من جهته، يدرك المالكي أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض تعني عودة سياسة “الضغوط القصوى” بنسختها الثانية، وهي سياسة لا تفرق بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة، إن الصدام اليوم هو صدام بين عقيدتين، عقيدة “أمريكا أولاً” التي تتعامل مع العراق كحساب بنكي أو ساحة تصفية حسابات، وعقيدة “دولة القانون” التي تحاول استعادة هيبة الدولة عبر مركزية القرار الشيعي، حتى لو كان ذلك على حساب الانفتاح الدولي.
‏الأكثر خطورة في هذا المشهد هو الجانب العملي لتهديدات ترامب؛ إذ لم يكتفِ برفض سياسي، بل لوح بقطع المساعدات وإيقاف الدعم الفني والعسكري، وهي أوراق تلمس عصب الدولة العراقية الحساس، فالاقتصاد العراقي، المرتبط عضوياً بالدولار الأمريكي عبر نافذة بيع العملة واحتياطيات البنك المركزي، يواجه خطر “الخنق” في حال قررت واشنطن فرض عقوبات تقنية أو مالية على حكومة يرأسها المالكي.
‏إن التقارير المسربة تشير إلى أن ترامب يمتلك ثلاث أوراق اقتصادية كبرى لتقويض أي حكومة تخالف توجهاته في بغداد؛ أولاً، تقييد تدفق الدولار عبر الفيدرالي الأمريكي؛ ثانياً، استهداف قطاع النفط العراقي بعقوبات غير مباشرة؛ وثالثاً، رفع الحصانة السيادية عن الأموال العراقية، هذه التهديدات وضعت حلفاء المالكي في “الإطار التنسيقي” أمام خيارات أحلاها مر، حيث يدركون أن المضي في ترشيح زعيمهم قد يعني عزلة دولية وانهياراً سريعاً للعملة المحلية، وهو ما يفسر التردد والانقسام الصامت داخل البيت السياسي الشيعي.
‏على الجانب الآخر، يرفع المالكي شعار “السيادة” كرد فعل طبيعي على التدخل الأمريكي، وفي لغة استقصائية، نجد أن المالكي يحاول استثمار “الفيتو” الأمريكي لصالحه، من خلال تصوير نفسه كـ “مدافع عن القرار الوطني” في مواجهة “الإملاءات الخارجية”، هذه الاستراتيجية تهدف إلى كسب ود القواعد الشعبية التي ترفض التدخل الأجنبي، وتحويل معركته من صراع على منصب إلى قضية كرامة وطنية.
‏لكن المحللين العميقي النظر يتساءلون، هل يمتلك العراق إمكانية الصدام مع واشنطن في ظل ظروفه الحالية؟ إن الردود التي صدرت عن المالكي، والتي وصفت التدخل الأمريكي بأنه “انتهاك للنظام الديمقراطي”، تضع المجتمع الدولي أمام مفارقة؛ فالرجل الذي استند إلى الدعم الأمريكي يوماً ما لتثبيت أركان حكمه، هو نفسه اليوم الذي يرى في واشنطن أكبر عائق أمام طموحه السياسي.
‏ومع استمرار الضغط الترامبي، يبدو أن العراق مقبل على سيناريوهين لا ثالث لهما؛ الأول هو “سيناريو المواجهة”، حيث يصر الإطار التنسيقي على ترشيح المالكي، مما يدفع واشنطن إلى تفعيل إجراءات عقابية قد تؤدي إلى اضطرابات شعبية نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي، أما السيناريو الثاني فهو “التراجع التكتيكي”، حيث يتم استبدال المالكي بشخصية “تسوية” تحظى بقبول واشنطن أو على الأقل لا تثير غضبها، مقابل ضمانات للمالكي وحزبه بالحفاظ على نفوذهم داخل مفاصل الدولة.
‏إن العراق اليوم ليس مجرد جغرافيا، بل هو ساحة اختبار لقدرة القوى المحلية على الموازنة بين “الشرعية الداخلية” و “المقبولية الدولية”، ترامب، بعقليته التجارية، لا يبحث عن حلفاء دائمين بل عن “صفقات ناجحة”، والمالكي بالنسبة له صفقة خاسرة، وفي هذا الفراغ بين “لا” الأمريكية و “نعم” العراقية، يبقى الشعب العراقي هو الطرف الوحيد الذي يدفع ثمن هذا الاستعصاء السياسي، منتظراً ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تسويات قد تولد من رحم الأزمات، أو انفجارات قد تعيد البلاد إلى المربع الأول.
‏فهل ستنتصر “تغريدة” ترامب في إزاحة المالكي، أم أن الأخير سيسجل عودة تاريخية تثبت أن بغداد لم تعد تدار من واشنطن؟ ننتظر وسنرى.

اترك رد