الامام الحسين ( عليه السلام ) لم يُقتل من أجل المنصب… بل قُتل لأن المنصب انحرف عن معناه.

منبر العراق الحر : حين يُقال إن الإمام الحسين قُتل من أجل المنصب فإننا لا نكون أمام قراءة مختلفة للتاريخ بل أمام كسرٍ متعمّد لمعناه وتحويلٍ لأعظم موقف أخلاقي في الإسلام إلى حادثة سياسية عادية تُقرأ بمنطق الربح والخسارة لا بمنطق الحق والباطل وهذا القول لا يُسيء إلى الحسين وحده بل يُفرغ كربلاء من وظيفتها الكبرى ويحوّل الدم الذي هزّ الضمير الإنساني إلى رقمٍ في سجل الصراعات على السلطة.

الإمام الحسين لم يكن رجلاً مهمّشاً يبحث عن موقع ولا معارضاً مغلوباً يحلم بكرسي وهو ابن بيت الحكم وحفيد النبوة ووارث تجربة عرفت السلطة من داخلها لا من خارجها ونشأ في مدرسة ترى الحكم عبئاً أخلاقياً لا مغنماً ومسؤولية ثقيلة لا امتيازاً لذلك فإن إسقاط منطق السياسي المعاصر عليه ذاك الذي لا يرى في المنصب سوى غاية، هو إسقاط فادح لا يفسّر الحسين بل يختزله ولا يشرح كربلاء بل يسطّحها.

الحسين لم يخرج لأن المنصب أغراه بل لأن المنصب انحرف ولم يواجه الحكم لأنه يريد أن يكون بديلاً عنه بل لأنه رفض أن يمنحه الشرعية والفرق هنا جوهري لكنه الفرق الذي يحاول هذا الطرح محوه فلو كان الحسين طالب سلطة لكانت البيعة أقصر الطرق وأقلها كلفة وأكثرها أماناً بيعة واحدة كانت كفيلة بأن تُبقيه حيّاً وتمنحه مكانته وتحفظ دمه ودم أهل بيته ولكنه رفض لأنه كان يعرف أن البيعة ليست إجراءً سياسياً بل توقيعاً أخلاقياً يشرعن مساراً كاملاً من الظلم.

كربلاء لم تكن خطأ في الحسابات ولا سوء تقدير في موازين القوة والحسين كان يعلم أين يسير وكان يعرف أن الطريق ينتهي بالموت لا بالحكم وخرج بأطفاله لا بجيوش وبالقيم لا بالسلاح وبالوضوح لا بالمناورة ومن يطلب المنصب يترك لنفسه باباً للنجاة أما الحسين فأغلق كل الأبواب لأنه لم يكن يبحث عن نتيجة سياسية بل عن موقف تاريخي يُعيد تعريف الصراع بين الحق والباطل.

حين قال الحسين “إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً، ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي” لم يكن يخاطب أهل زمانه فقط بل كان يضع سداً أمام كل محاولة مستقبلية لتحريف خروجه ومع ذلك وبعد قرون لا يزال هناك من يصرّ على قراءة ثورته بعين باردة لا ترى في الدم إلا وسيلة فاشلة للوصول إلى الحكم.

الأخطر في هذا القول أنه لا يقف عند تشويه الحسين بل يتجاوز ذلك ليُبرّر كل استبداد فإذا كان الحسين نفسه قد خرج من أجل المنصب فما الفرق إذن بينه وبين من قتله ؟
بهذه الطريقة يُعاد تأهيل الجريمة ويُفرغ الظلم من قبحه وتُمسح الحدود بين الشهيد والجلاد وهذا الطرح يريح السلطة دائماً لأنه يُلغي فكرة الثورة الأخلاقية ويحوّل كل اعتراض إلى طموح شخصي وكل دم إلى رهان خاسر وبهذا المنطق لا يعود للتضحية معنى ولا للموقف قيمة ولا للتاريخ قدرة على الإلهام ويصبح كل شيء نسبياً وكل شيء قابلاً للتبرير.

الحسين لم يُقتل لأنه نسي السلاح بل لأنه أراد أن يفضح السلاح حين يتحول إلى أداة لحماية الباطل ولم يُقتل لأنه أخطأ في السياسة بل لأنه رفض أن يُمارسها على حساب القيم وكان يعلم أن هناك لحظات يصبح فيها السكوت خيانة والمساومة سقوطاً، والنجاة عاراً وفي تلك اللحظة اختار الموت لا لأنه يحب الموت بل لأنه يرفض الحياة حين تُشترى بثمن الكرامة
ومن يقول إن الحسين قُتل من أجل المنصب إما أنه لم يفهم الحسين أو خاف من معناه أو أراد تحييده عن الحاضر لأن الحسين إذا فُهم كما هو لا يترك أحداً في منطقة الراحة وهو سؤال دائم واتهام مفتوح ومرآة قاسية لكل سلطة تُريد الطاعة بلا عدل ولكل مجتمع يقبل الظلم مقابل الاستقرار.

الحسين لم يمت ليُحكم بل مات ليمنع أن يُحكم الناس باسم الدين وهم يُذبحون ولم يُضحِّ بنفسه ليجلس على كرسي بل ليكسر فكرة الكرسي حين يتحول إلى صنم ومن هنا، فإن تقزيم ثورته إلى صراع على منصب ليس خطأً فكرياً فقط بل خيانة للمعنى الذي قامت عليه كربلاء.

ستبقى الحقيقة واضحة مهما طال التحريف : الحسين لم يُقتل من أجل المنصب بل قُتل لأن المنصب حين ينفصل عن الأخلاق يصبح جريمة ولأن الصمت أمامه خيانة ولأن الدم حين يُسفك دفاعاً عن القيم يتحول إلى حياةٍ لا تنتهي.

د.رافد حميد فرج القاضي

 

اترك رد