منبر العراق الحر :
الأدب ينتج عن أفراد في مجتمع، ويعبر عن أفراد المجتمع والمجتمع بشكل عام، ولا داعي للتفصيل بهذا الأمر، فهو مما لا يخفى على أحدنا. لكن ما يمكن لنا ملاحظته كثيرًا هو أننا نقرأ الكثير من النصوص ولا نجد فيها ما يعبر لا عن المجتمع ولا عن حالٍ يعيشها المجتمع، أو حتى الفرد. فمتى يمكن لنا ملاحظة هذا في النصوص؟
الأديب المنفصل عن الواقع الاجتماعي انفصالًا تامًا، لا بعدم تناول قضايا المجتمع، فنحن نملك نماذج لأدب فردي بيّن لنا التجارب الإنسانية. نرى في إحدى القصص القصيرة لتشيخوف بعنوان «السيدة صاحبة الكلب» عن امرأة متزوجة ورجل متزوج يقعان في حب بعضهما، ولم يقدم أي حلول للمسألة، ولم يحاكم الشخصيتين، ولم يضعهما عرضة لقواعد المجتمع أو الكنيسة، هو فقط عرض الحالة كما هي في القصة القصيرة. هذه القصص عند تشيخوف تعد من القصص المؤثرة سابقًا عندما نشرت، واليوم عندما نقرأها، رغم أنها لم تقدم أي قضية اجتماعية عن الفقر أو عن المجتمع كما اعتاد تشيخوف أن يفعل.
انفصال الكاتب عن المجتمع أدبيًا عندما يبتعد تمامًا عن كل ما يمكن ملاحظته حتى في صوره وتشبيهاته في النص، فنرى الأديب المنفصل عن الواقع أدبيًا يرى الأدب ككائن نخبوي يفسده أن يُفهم أو أن يخدم غرضه النخبوي فقط، سواء كان داخليًا رمزيًا له فقط أو لسلطة معينة، ويجب أن يبقى مرتفعًا عن الناس، بل حتى عن فهمهم، ويأبى لأي شخص فهمه خارج غرفة الكاتب. لا أعني بعدم خوضه في المسائل الاجتماعية، بل بقدر بعده عن النفس الإنسانية والإنسان بشكل عام، بحيث يبتعد حتى عن طرق التعبير والتشبيهات والصور القريبة المألوفة من الإنسان في حضارة معينة.
فنرى مثلًا قصيدة للشاعر صلاح فائق:
سعيد لأني لم أتعلم بلاغة موتي
وجدت التجوال في السواحل أجمل
هناك ذات مرة في أحدها
صادفت فلاحًا خرج من قصيدة لي قبل أيام
ليبحث عن شجرة زيتون أخفى عندها بعض النقود
وهذا المقطع الشعري لا يناقش مسألة ولا قضية ولا حالة عامة، لكن يمكن لنا أن نحس تجاه النص بالألفة. وكذلك في قصيدة للشاعر بدر شاكر السياب حيث يقول فيها:
وأوفى على العاشقين الشتاء
بيوم طوى أفقه بالسحاب
خلا الغاب ما فيه إلا هما
وإلا السكون الشفيف النقاب
فهذا على جانب الشط يشدو
وهذي وراء الغصون الرطاب
فما كان غير انتفاض البروق
وغير ارتواء الربوع الجداب
النقاب، الشط، الغصون الرطبة، الربوع؛ مقطع كامل مكتوب في الفترة التي عرف فيها بدر بالرومانسية. رغم هذا تشم رائحة بيئة بدر شاكر السياب والمكان الذي تعلق فيه، والذي نعيش فيه، والتي تعودنا وتعود على رؤيتها، كالشط الذي قصد فيه شط العرب في العراق.
إذا كان هذا ليس انفصالًا، فما هو الانفصال؟ ونحن نحس بالألفة لنغمة العود التي تعودنا عليها في حضارتنا، ولرائحة الشط، وللغصون الرطبة بالنسبة لنا كأشخاص يعيشون في بيئة كهذه. فما هو الأديب المنفصل؟ نرى الأديب المنفصل عندما ينعزل في نصه:
أحب ذكرى تلك العصور العارية،
عندما كان يحلو لفويبوس أن يطلي التماثيل بالذهب.
آنذاك كان الرجل والمرأة في حيوية
يستمتعان بلا زيف ولا ولا قلق،
وفيما السماء العائشة تربت على ظهرهما،
كانا يختبران صحة التهما النبيلة.
(بودلير – أزهار الشر)
وفي أحيان كثيرة تكون السلطة سبب انفصال الأدب عن الواقع، كما رأينا في كل الأنظمة الشمولية التي تجبر الأدب على عدم الخروج منها ومن تحت عباءتها، كما رأينا أدباء الفترة السوفيتية أو بعضهم، حيث تحول الأدباء والفنانون حتى إلى أبواق بيد السلطة.
لا يهم في الأدب عدد القضايا التي تتناولها النصوص، ولا كم يصرخ ويحرض ويغضب. الأدب يجب أن يكون إنسانيًا، قريبًا من الإنسان في الحضارة، معبرًا عنه، سواء إبداعيًا بنظرة فردية أو بنظرة جماعية، لا منفصلًا عن الإنسان لأجل انحلال من الحضارة أو لأجل سلطة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر