جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي للجيش الانكشاري العثماني في مصر وشمال أفريقيا….رياض سعد

منبر العراق الحر :….: بين التوثيق التاريخي وتحليل البنية الاجتماعية….

مقدمة سياقية

ساهم توسّع الدولة العثمانية نحو شمال إفريقيا منذ أوائل القرن السادس عشر في إعادة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في مصر، والجزائر، وتونس، وليبيا… ؛  وقد وثق عدد من المؤرّخين المعاصرين لتلك الفترات — وفق منهجيات المؤرّخين التقليدية — جوانب عديدة من ممارسات السلوك العسكري العثماني في مراحل الفتح، بما في ذلك العنف ضد المدنيين، وهو موضوع يثير نقاشًا بين الباحثين المعاصرين حول الفروق بين الرواية الوطنية والرواية الإمبراطورية العثمانية  في كتابات المؤرّخين.

في هذا العرض الموجز ، سيتم التركيز على:

الوثائق المبكرة من مصر التي تحدثت عن أعمال عنف خطيرة بحق السكان المدنيين.

الحالة التاريخية في الجزائر وتونس وليبيا من منظور عام حول سياسات الحكم العثماني قبل أن ينتقل إلى مناقشة حدود ما هو موثّق بشأن العنف الجنسي في هذه المناطق.

لم يكن دخول العثمانيين القاهرة سنة 1517 حدثًا عسكريًا عابرًا، بل شكّل لحظة فاصلة في تاريخ مصر والمنطقة… ؛  فإلى جانب سقوط دولة المماليك، شهدت المدينة — بحسب مؤرخين معاصرين للواقعة — موجة من الانتهاكات الممنهجة، شملت القتل والسلب والاعتداءات الجنسية، حتى داخل المساجد، في مشهد ينسف السردية المثالية لما سُمّي لاحقًا بـ“الفتح العثماني”.

وقد وثّق هذه الوقائع مؤرخون مصريون عاشوا الحدث، في مقدمتهم محمد بن إياس الحنفي في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور، وابن زنبل الرمّال في رسالته عن دخول العثمانيين مصر.

نعم , كان الشائع عندما يذكر التاريخ “الفتح” العثماني لمصر عام 1517م، فإن الصورة الذهنية الشائعة تتجه نحو توسع إسلامي أو وحدة سياسية اسلامية بوجه الكفار … ؛  لكن الوقائع التي دونها مؤرخون معاصرون لذلك الحدث تكشف عن وجه آخر، أكثر دموية وإذلالاً، تمثل في موجة من العنف الجنسي المنظم مارسته نخبة الجيش العثماني، الإنكشارية، ضد السكان المدنيين… ؛ و تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على جرائم الاغتصاب الجماعي التي ارتكبها القوات الإنكشارية في مصر وبعض مناطق شمال أفريقيا، مع تحليل أصول هذه القوة العسكرية الفريدة والبنية الاجتماعية النفسية التي غذت مثل هذه الممارسات، مستندةً إلى مصادر تاريخية أولية ودراسات تحليلية.

**من هم الإنكشارية؟

الإنكشارية كانوا عماد الجيش العثماني وقوته الضاربة… ؛  من دونهم ما كان للسلطان سليم الأول أن يهزم المماليك أو يفرض سيطرته على القاهرة.

تكوّن هذا الجيش عبر نظام قسري عُرف باسم الدوشيرمة، وهو نظام اعتمد على جمع الأطفال الذكور من الأسر المسيحية في البلقان والقوقاز وشرق أوروبا كل عدة سنوات، وتحويلهم قسرًا إلى الإسلام، ثم تربيتهم في معسكرات مغلقة على الطاعة المطلقة للسلطان، مع إخضاعهم لتدريب عسكري شديد القسوة.

كان الأطفال يُنتزعون من أسرهم في أعمار صغيرة، ويُعاد تشكيل هويتهم بالكامل: دينًا، ولغة، وولاءً… ؛  كثير منهم لم ينجُ من قسوة التدريب… ؛  ومن بقي، تحوّل إلى جندي محترف منزوع الروابط الاجتماعية، لا أسرة له ولا حياة مدنية.

وقد فُرض على الإنكشاريين — في مراحلهم الأولى — منع الزواج والإقامة الدائمة في الثكنات حتى سن متقدمة، وهو ما خلق بيئة مغلقة قسرية، أشار عدد من الباحثين المعاصرين (مثل جوزيف فون هامر-بورغشتال، وكولين إمبير) إلى أنها أسهمت في انتشار علاقات جنسية داخلية بين الجنود، وهو أمر معروف في الجيوش المغلقة تاريخيًا، ولا يحمل طابعًا “ثقافيًا” بقدر ما هو نتيجة بنيوية للقمع والعزل.

**نظام الدوشيرمة والعزلة القسرية

نعم , الإنكشارية (يڭيچرى، أي “الجيش الجديد”) كانت قوات النخبة في الجيش العثماني، تأسست في عهد السلطان مراد الأول (1360–1389م)… ؛  وقد تشكلت أساساً عبر نظام “الدوشيرمة”، الذي كان يجمع الأطفال المسيحيين من البلقان (ألبانيا، اليونان، مناطق من روسيا وجورجيا) بعمر 8–12 سنة، كل ثلاث إلى خمس سنوات، ويضم نحو 8,000–12,000 طفل في كل دفعة… ؛ و كان هؤلاء الأطفال يؤخذون من أسرهم قسراً، يُعتنقون الإسلام، ويُربَّون في ثكنات عسكرية مغلقة على الولاء المطلق للسلطان، مع تدريبات قاسية تحولهم إلى “آلات حرب” كما اسلفنا .

**العلاقات المثلية في الثكنات: نتاج العزلة والحرمان

فرض النظام العسكري الإنكشاري على الجنود العزوبية حتى سن الأربعين، ومنعهم من الزواج، وعاشوا في ثكنات مغلقة منعزلة عن المجتمع… ؛ و هذه البيئة القسرية، الخالية من النساء، غذت ظهور علاقات جنسية مثلية بين الجنود… ؛  وقد أشارت مصادر تاريخية إلى أن هذه الممارسات كانت شائعة بل ومتسامحاً معها في الأوساط العسكرية العثمانية، كنوع من “الصمام” الذي يحافظ على تماسك الفرقة في غياب أي حياة أسرية طبيعية… ؛  لقد خلقت هذه البنية النفسية والاجتماعية جيشاً منفصلاً أخلاقياً عن المجتمع، مما هيأه لممارسات عنيفة خارج ساحات القتال .

**القاهرة تحت وطأة السلاح /مصر (1517 م) — شهادات معاصرة عن العنف العسكري

تعدّ مصر من أكثر الحالات التي توفّر فيها المؤرّخ المعاصر محمد بن إياس (توفي 1524 م) مادةً صريحة حول ما شهده دخول الجيش العثماني إلى القاهرة، إذ صرّح في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور عن فوضى وشاعة في سلوك بعض وحدات الجيش تجاه المدنيين، اذ يروي ابن إياس مشاهد صادمة عن الأيام الأولى بعد دخول الجيش العثماني المدينة… ؛ اذ يذكر أن جنود الإنكشارية اعتدوا على النساء علنًا، وخطفوا بعضهن من الطرقات، وأن الناس كانوا عاجزين عن التدخل خوفًا من السلاح.

كما يذكر أن بعض النساء احتمين بالمساجد، غير أن الجنود اقتحموها بخيولهم، منتهكين حرمة أماكن العبادة، وارتُكبت اعتداءات داخل مساجد كبرى مثل مسجد الحاكم بأمر الله ومسجد ابن طولون.

ويشبّه ابن إياس ما جرى في القاهرة بما فعله المغول في بغداد، مؤكدًا أن المصريين لم يعرفوا من قبل هذا المستوى من الإذلال الجماعي، وأن الهدف لم يكن مجرد النهب، بل كسر إرادة المجتمع بأكمله — رجالًا ونساءً — لترسيخ سلطة “الفاتحين”.

ولا تقف الروايات عند النساء فقط، بل تذكر أيضًا اعتداءات طالت أطفالًا وخدمًا صغار السن داخل بعض المساجد، وما تبع محاولات الإنقاذ من قتل للمصلين وترك الجثث في ساحات العبادة.

هذه الوقائع ليست روايات شفوية متأخرة، بل شهادات مؤرخين عاصروا الحدث وكتبوا عنه بمرارة واضحة...  .

نعم , يقدم المؤرخ المصري المعاصر للغزو، ابن إياس (1448–1523م)، في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، روايات صادمة عن العنف الجنسي الذي مارسه جنود الإنكشارية فور دخولهم القاهرة… ؛  فهو يذكر حادثة خطف امرأة عند سلم المدرسة المؤيدية وقت الظهر، و”فسقوا بها جهاراً عند سبيل المؤيدية تحت دكان الذي يبيع الكعك، والناس ينظرون إليهم وهم يفسقون بها ولم يجسر أحد من الناس أن يخلصها منهم”… ؛  بل إن العنف تجاوز الأماكن العامة إلى حرمة المساجد، حيث يروي ابن إياس أن الجنود “دخلت وراهم بالخيول والأحذية واغتصبوهم داخل المساجد، وده حصل في مسجد الحاكم بأمر الله ومسجد ابن طولون”.

ويتفق معه المؤرخ أحمد بن زنبل الرمال في توثيق همجية الإنكشارية، حيث يصف فظائعهم ضد المدنيين، بما في ذلك انتهاك الحرمات. ويمتد العنف ليشمل الأطفال، كما في الحادثة التي يرويها ابن إياس عن اعتداء جماعي جنسياً على “غلام صغير (خادم أو تلميذ)” داخل مسجد السلطان المؤيد، أمام المصلين، وقتل من حاولوا إنقاذه… ؛  هذه الروايات لا تصف جرائم فردية، بل سياسة إذلال منهجي، كما يؤكد ابن إياس نفسه حين يشبه ما حدث للمصريين بما حل بأهل بغداد على يد المغول، وأن الهدف كان “إذلالاً شاملاً للرجالة والستات في مصر، لتثبيت حكم العثمانيين ‘الفاتحين'”.

**سياسة الإذلال كأداة حكم

ما تكشفه هذه المصادر أن العنف لم يكن عشوائيًا بالكامل، بل اتخذ طابعًا استعراضيًا: اعتداءات في العلن، داخل المساجد، وأمام الأهالي… ؛  وهو نمط معروف في تاريخ الغزوات الإمبراطورية، حيث يُستخدم الجسد — خصوصًا جسد المرأة — كساحة لإرسال رسالة سياسية: أن السلطة القديمة انتهت، وأن المجتمع بأسره بات خاضعًا.

لقد كان ذلك جزءًا من منطق الإمبراطوريات العسكرية: إخضاع نفسي قبل أن يكون عسكريًا.

**تحليل الدوافع والسياق: بين الإذلال والبنية النفسية

لا يمكن فهم هذه الموجة من العنف الجنسي بمعزل عن طبيعة الجيش الإنكشاري ذاته… ؛  فالجندي الذي نُزع من بيئته الأصلية طفلاً، وربّي على القسوة والعزلة في ثكنة مغلقة، وحرم من تكوين أسرة، تحولت غرائزه الجنسية إلى قوة مدمرة… ؛  عندما يُطلق هذا الجندي في “بلد مفتوح”، يصبح العنف الجنسي أداة مزدوجة: إشباعاً لرغبات مكبوتة، وسلاحاً فعالاً للإذلال الجماعي وكسر شوكة المجتمع المقاوم.

لقد كان الاغتصاب الجماعي، خاصة في الأماكن المقدسة كالمساجد، رسالة واضحة من المحتل العثماني : لا حرمة لكم، ولا قداسة، ولا قدرة على الدفاع عن أنفسكم.

**خارج مصر: نمط متكرر / دول شمال افريقيا العربية

لا تقتصر هذه الشهادات على القاهرة وحدها… ؛  فمصادر تاريخية عن الجزائر وتونس وطرابلس تشير إلى أن دخول القوات العثمانية إلى مدن شمال أفريقيا ترافق في أكثر من موضع مع أعمال نهب وانتهاكات بحق المدنيين، قبل أن تستقر الإدارة العثمانية لاحقًا.

وقد ناقش هذا النمط باحثون معاصرون في تاريخ الدولة العثمانية، معتبرين أن مرحلة “الفتح” كانت غالبًا الأكثر دموية، تليها مراحل تهدئة وتنظيم إداري الا انها ملازمة للظلم والتعسف .

**الجزائر (من بداية القرن السادس عشر وحتى 1830 م) — الفتح العثماني والسياق الاجتماعي

دخل العثمانيون إلى الجزائر استجابة لدعوات بعض المدن لطرد الاحتلال الإسباني أو القوى المحلية المنافسة، وبرز دور الأخوين عروج وخير الدين بربروس في تأسيس ارتباط البلد بالسلطة العثمانية.

الحكم العثماني في الجزائر امتدّ لقرابة ثلاثة قرون (1514-1830 م)، وقد شهد في أواخر هذه الحقبة تحولات سياسية واجتماعية مهمة مما جعل التاريخ الجزائري موضع إعادة قراءة ونقد من المؤرخين المعاصرين، حيث يشير البعض إلى أن التاريخ الوطني غالبًا ما ذهب إلى مراجعة دور الإمبراطورية العثمانية في سياق العلاقات السلطوية والاحتلال الأوروبي اللاحق بدلًا من التركيز فقط على السرديات التقليدية (الاستعماريات أو الوطنية).

لكن من المهم هنا التأكيد على أن المصادر التاريخية الأساسية حول الجزائر في هذه الفترة لا تقدّم الكثير من الوثائق الصريحة عن ممارسات عنف جنسي منهجي مماثل لما ورد في مصادر القاهرة؛ بمعنى آخر، الأعمال العنيفة التي تُذكر تتعلق غالبًا بـ القتال والنهب والصراع على السلطة، أما الإساءات الجنسية الجماعية فلا تظهر بشكل واضح في المصادر الأولية التي وصلتنا عن الجزائر في القرن السادس عشر.

لذلك، ينبغي التمييز في البحث الأكاديمي بين:

العنف المسلح والنهب: موثق في سياقات القتال والسيطرة العسكرية.

العنف الجنسي الجماعي الموثّق: الذي يُعدّ نادرًا أو غير موثَّق بطريقة مباشرة في الحالة الجزائرية من المصادر المتاحة، بخلاف الحالة المصرية التي وردت فيها روايات مباشرة من مؤرّخين معاصرين.

نعم , لم تقتصر ممارسات الإنكشارية على مصر… ؛  فمع انتشار النفوذ العثماني، انتشرت هذه القوات في ولايات شمال أفريقيا، مثل الجزائر، حيث شكلت ما عرف بـ”أوجاق الجزائر” منذ عام 1520… ؛ اذ  تصف مصادر تاريخية كيف أن الإنكشارية، المكونة في الجزائر من “المشردين والمجرمين الأتراك الفارين من الأحكام القضائية” أحضروا معهم ثقافة العنف والفساد… ؛  فبعد إباحة شرب الخمر والبغاء رسمياً لهم عام 1570، انتشرت الحانات والبيوت الدعارة (“كرخانات”) داخل ثكناتهم… ؛  لكن ذلك لم يشبع نهمهم، فاتجهوا إلى الاعتداء على النساء في بيوتهن، حتى أصبحت عادة معروفة عن “إنكشارية الجزائر”… ؛  وتذكر بعض الروايات أنهم كانوا يتباهون بانتهاك الأعراض ويؤلفون أغاني يروون فيها مغامراتهم الإجرامية والجنسية .

**تونس (فتح 1574 م وما بعده)

مثل فتح تونس عام 1574 م لحظة مفصلية في الصراع بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الإسبانية على النفوذ في شمال إفريقيا… ؛ ولكن هذا الحدث لم يترك في المصادر التي تعتمدها الدراسات الأكاديمية الغربية أو العربية معطيات كثيرة عن انتهاكات جنسية محددة بحق السكان المدنيين، بل ركّزت المصادر على العمليات العسكرية الكبرى وتتابع السيطرة السياسية.

نعم , بعض المؤرخين يشيرون إلى أن توثيق الفصول الخاصة بالعنف خارج نطاق القتال المباشر في تونس لا يزال محدودًا نسبيًا، ما يشير إلى أن الموضوع — خصوصًا ما يتعلق بالعنف الجنسي — يحتاج إلى بحث متخصص في المصادر المدينة المحلية (ديوانيات، سجلات قضاء، خطباء) التي قد تحتفظ بفصول مؤرشفة أقل ظهورًا في الدراسات الكبرى.

**ليبيا (طرابلس/برقة 1551 م وما بعدها) — حدود التوثيق

شهدت ليبيا مرحلة دخول العثمانيين في القرن السادس عشر، وقد بقيت تحت النفوذ التركي طوال فترة طويلة حتى بداية القرن العشرين، مع فترات من الحكم الذاتي أو الاضطرابات المحلية.

من ناحية التوثيق، لا تتوفّر في المصادر المتاحة روايات معاصرة واضحة عن اعتداءات جنسية ممنهجة بقدر ما تبرز التحديات العسكرية والسياسية والاحتكاك بين القوى الدولية (العثمانيون، الإسبان، وغيرهم)… ؛  وهذا يشير إلى أن الحديث عن العنف الجنسي في سياق الصراع العثماني في ليبيا يتطلب تخصيص دراسة أرشيفية واسعة في الوثائق القديمة المحلية (إذا كانت متوفرة)، وهو ما لم يظهر بوضوح في الأعمال التاريخية الكبرى المتداولة.

وليكن في علم الجميع أن عدم العثور على الوثائق، أو عدم تسجيل الحوادث والوقائع، لا يدلّ على عدم حدوث الجرائم والانتهاكات، لا سيّما أن سلوك المجرمين واحد، سواء في القاهرة أو الجزائر أو تونس أو ليبيا أو غيرها… ؛  فمن غير المعقول أن يكون الجندي والمرتزق الانكشاري مجرمًا في القاهرة، وحمامة سلام و بريئًا في ليبيا مثلًا.

**قراءة تحليلية نقدية / يمكن تلخيص الرؤية التحليلية في النقاط التالية:

العنف العسكري كأداة للهيمنة: كانت القوة المسلحة جزءًا أساسيًا من السياسة الإمبراطورية العثمانية  في كل من مصر والجزائر وتونس وليبيا، ويُشير عدد من الدراسات إلى أن هذه السياسات تميّزت بالقسوة أحيانًا، خصوصًا في المراحل الأولى من الفتح.

الوثائق تختلف من منطقة إلى أخرى: في مصر توجد مصادر معاصرة واضحة نسبيًا لوصف اعتداءات جنسية ضمن سياق الفتح والهيمنة، فيما تفتقر الجزائر وتونس وليبيا إلى توثيق مباشر مماثل في المصادر الكبرى المتاحة للباحثين.

حول موضوع الهوية والسلوك الجنسي الداخلي بين العسكريين العثمانيين: أشار عدد من الدراسات الغربية والأكاديمية إلى أن البيئات العسكرية المغلقة في الجيوش التقليدية (بما فيها الإنكشارية في العهد العثماني) يمكن أن تؤدي إلى نشوء علاقات بين الجنود نتيجة عزلة اجتماعية وسياسية؛ وهو أمر يتم التعامل معه في الدراسات الأكاديمية كظاهرة اجتماعية مرتبطة بالظروف العسكرية وليس كـ سلوك منظّم رسميًا ضمن سياسات الدولة... ؛ الا ان البعض يذهب الى خلاف ذلك , وان هذه الانتهاكات ملازمة للسلطة التركية والاحتلال العثماني .

**خاتمة

السؤال الذي يفرض نفسه:

هل ما جرى في القاهرة سنة 1517 — كما وثّقه مؤرخوها — يمثل سلوك جيش جاء “لنشر العدل”، أم نموذجًا كلاسيكيًا لغزو إمبراطوري استخدم العنف الجنسي والإذلال الجماعي كوسيلة لترسيخ الهيمنة؟

إعادة قراءة هذه اللحظة ليست طعنًا في الدين، بل مساءلة للتاريخ العسكري والسياسي، وفصلٌ ضروري بين الإسلام كقيمة روحية، وبين ممارسات دولة توسعية استخدمت اسمه غطاءً لجرائم موثقة.

نعم , تظهر الوقائع التاريخية الموثقة أن “الفتح” العثماني لمصر وشمال أفريقيا صحبته جرائم ضد الإنسانية، تمثلت في موجات من الاغتصاب الجماعي والعنف الجنسي المنظم… ؛  هذه الجرائم لم تكن حوادث عابرة، بل كانت نتاجاً طبيعياً لبنية عسكرية شاذة، نشأت على نظام “الدوشيرمة” القاسي وعاشت في عزلة قسرية… ؛ اذ يكشف هذا التاريخ التناقض الصارخ بين الادعاءات الدينية أو السياسية التي تقدمها بعض الروايات، وبين الواقع الدامي الذي عاشه المدنيون… ؛  إن تذكر هذه الصفحة المظلمة ليس اجتراراً للماضي، بل تأكيداً على أن القراءة النقدية للتاريخ هي الضمانة الوحيدة ضد تكرار مآسي الاستبداد والاحتلال.

……………………………………………..

المصادر والمراجع

  1. 1. ابن إياس، “بدائع الزهور في وقائع الدهور” (الجزء الخامس).
  2. أحمد بن زنبل الرمال، “آخرة المماليك” (طبعة الهيئة العامة للكتاب، 1998).
  3. مقال “هذه الأمة جازت إبادتها… ليلة سقوط القاهرة بيد العثمانيين كما رواها ابن إياس” – رصيف22 (7 يونيو 2022).
  4. منشور “جرائم الإنكشارية ميراث الأتراك الأوائل في الجزائر” –Facebook(يحتوي على نصوص تاريخية).
  5. مقال “الجيش الإنكشاري في الجزائر بين 1519 و 1830م” – مجلة أفكار وآفاق (2021).
  6. صفحة “دوشيرمة” على ويكيبيديا العربية (شرح نظام التجنيد).
  7. صفحة “إنكشارية” على ويكيبيديا العربية (نشأة وتاريخ القوة).
  8. منشور “مذابح سليم الاول العثمانلي في القاهرة” –Facebook(يضم اقتباسات من مؤرخين).
  9. Joseph von Hammer-Purgstall – History of the Ottoman Empire

Colin Imber – The Ottoman Empire, 1300–1650

  1. دراسات حول الجيوش العثمانية والضبط الاجتماعي / خالد فهمي.
  2. صفحة محمود عوض فيFacebook(يضم اقتباسات من مؤرخين).

 

 

اترك رد