مفاوضات تنازلات أم حرب شاملة؟ الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :المنطقة لا تترقب المفاوضات بقدر ما تترقب ما بعدها. الأنظار تتجه اليوم إلى العاصمة العُمانية مسقط لا بوصفها ساحة حوار دبلوماسي تقليدي، بل باعتبارها الاختبار الأخير قبل إعادة تعريف شكل الصراع في الشرق الأوسط. فما يجري ليس محاولة تسوية بقدر ما هو محاولة لتحديد المسار: هل تُدار المواجهة سياسيًا، أم تُحسم عسكريًا؟

التخبط الذي سبق انعقاد المفاوضات، من رفض أميركي لنقلها من إسطنبول إلى مسقط ثم التراجع، ليس تفصيلاً شكليًا. بل يعكس انقسامًا حقيقيًا داخل المشهد الإقليمي والدولي. واشنطن وافقت تحت ضغط عربي–إقليمي يرى أن انهيار المسار التفاوضي الآن يعني فتح الباب مباشرة أمام الحرب، حتى لو كانت فرص نجاح التفاوض محدودة.

 

المشكلة الجوهرية أن الطرفين لا يتفاوضان على الشيء نفسه.
إيران تريد صفقة نووية ضيقة تقتصر على التخصيب ورفع العقوبات وضمانات البقاء. في المقابل، تريد الولايات المتحدة، وبدفع إسرائيلي واضح، صفقة تفكيك أوسع تشمل البرنامج النووي، الصواريخ البالستية، والنفوذ الإقليمي. هذا التعارض يجعل مفاوضات مسقط، منذ لحظتها الأولى، مفاوضات على “إطار التفاوض” لا على مضمونه، وهو ما يفسر خفض سقف التوقعات الأميركية مسبقًا.

من زاوية استراتيجية، لا تفاوض إيران من موقع قوة كما تحاول أن تُظهر. النظام يواجه ضغوطًا داخلية غير مسبوقة، أزمة اقتصادية خانقة، وتآكلًا متسارعًا في الشرعية. لذلك فإن الذهاب إلى مسقط ليس خيارًا بل ضرورة. ولهذا السبب أيضًا، فإن التنازلات، مهما جرى إنكارها إعلاميًا، ليست احتمالًا بل نتيجة منطقية إذا أُريد تفادي الأسوأ.

في المقابل، لا تدخل واشنطن هذه المفاوضات وهي واثقة من نجاحها. تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس جيدي فانس ليست تشاؤمًا عابرًا، بل رسائل محسوبة تمهّد لمرحلة ما بعد التفاوض. الولايات المتحدة تريد أن تقول بوضوح إنها استنفدت المسار الدبلوماسي، وأن فشله – إن حصل – لا يمكن تحميله لها.

 

اختيار مسقط بحد ذاته ليس تفصيلاً. عُمان توفر بيئة تفاوضية مغلقة عالية السرية، بعيدًا عن الإعلام والأطراف المتعددة. إيران لا تريد مفاوضات بحضور أطراف أخرى خوفًا من فتح ملفات إضافية، ولا تريد أن تظهر بمظهر الطرف الذي يقدم تنازلات علنية. في مسقط، يمكن تمرير التنازلات بصيغة تحفظ ماء الوجه، إن كان لا بد منها.

لكن ما لا يمكن تجاهله أن الوقت ليس مفتوحًا. القطعات العسكرية الأميركية منتشرة، وإسرائيل في حالة جاهزية عالية. لا ارتخاء في المشهد ولا مساحة طويلة للمناورة. إسرائيل تدفع باتجاه الحسم العسكري وترى أن أي تفاوض يمنح طهران وقتًا إضافيًا لإعادة التموضع. في المقابل، تضغط الدول العربية باتجاه استمرار المفاوضات، لا دفاعًا عن إيران، بل خوفًا من حرب شاملة غير مضبوطة الارتدادات.

ترامب يقف في منطقة وسطية لكنها حادة. هو يفضّل صفقة تُقوّض النظام الإيراني بدل إسقاطه، صفقة تُرضي إسرائيل والعرب، وتقلّص نفوذ الصين وروسيا في المنطقة، دون أن تغرق الشرق الأوسط في حرب مفتوحة. لكنه في الوقت نفسه يدرك أن هذه النافذة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.

 

وهنا نصل إلى النقطة الحاسمة: سيناريوهات الضربة العسكرية.

فشل مفاوضات مسقط لا يعني تلقائيًا اندلاع حرب شاملة، بل يفتح الباب أمام مسارين عسكريين مختلفين في الشكل والهدف.

الأول هو الضربة المحدودة التأديبية، التي تستهدف البرنامج النووي ومفاصل عسكرية محددة، بهدف تقويض قدرات النظام دون إسقاطه. هذا السيناريو تفضّله واشنطن في هذه المرحلة لأنه أقل كلفة، ويمكن ضبط ارتداداته إقليميًا، ويُبقي باب التحكم بالتصعيد مفتوحًا.

أما المسار الثاني فهو الضربة الشاملة، التي تستهدف البنية العسكرية والسياسية للنظام، وقد تفتح الباب أمام فوضى داخلية وإقليمية واسعة يصعب احتواؤها. هذا هو الخيار الذي تدفع نحوه إسرائيل، انطلاقًا من قناعة أن اللحظة الراهنة قد لا تتكرر، وأن أي تسوية أو تفاوض يمنح طهران فرصة لإعادة ترميم قوتها.

 

ما بعد مسقط :

ما بعد مسقط لن يُقاس بلهجة البيانات ولا بصياغات المجاملة الدبلوماسية، بل بما إذا كانت هذه الجولة قد نجحت في إغلاق نافذة الحرب أو في تثبيت مبررات فتحها. فخروج المفاوضات دون اتفاق واضح أو جدول زمني ملزم سيُعاد تفسيره سياسيًا بوصفه استنفادًا للمسار التفاوضي، لا تعثرًا عابرًا، ما يجعل الخيار العسكري أقرب من أي وقت مضى.

أما إذا أفرزت مسقط تفاهمات جزئية أو تنازلات قابلة للبناء عليها، فسيُتعامل معها كهدنة سياسية قصيرة، هدفها إدارة الأزمة لا حلها، وشراء الوقت لا إنهاء الصراع. وفي الحالتين، دخل الملف الإيراني مرحلة جديدة لم تعد فيها العودة إلى ما قبل المفاوضات ممكنة. فإما مسار تفكيك تدريجي مضبوط، أو مواجهة مفتوحة تتجاوز إيران إلى الإقليم بأكمله. وما بعد مسقط، أيًا كانت مخرجاته، لن يكون استمرارًا للوضع القائم، بل بداية مرحلة أكثر حسمًا وأقل هامشًا للمناورة.

اترك رد