منبر العراق الحر :…..الأمين العام للمجمع القرآني الدولي….
[دراسة قرآنية اجتماعية مع التركيز على “ابن خلدون و د.علي الوردي”]
الاجتزاء وسوء الفهم في قراءة نصوص ابن خلدون
المقدمة:ينطلق هذا البحث من قوله ٲلـلَّـﷻـۂ:
۩﷽۩ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
(الحجرات: 13)
تقرر الآية مبدأين تأسيسيين:
☆وحدة الأصل الإنساني،
☆ورفض المفاضلة القائمة على العصبية أو الانتماء، وإحلال معيار التقوى والأخلاق محلها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي قراءة للنصوص الفكرية ينبغي أن تكون قراءة عادلة منصفة، لا تُستخدم لإذكاء العصبيات أو تغذية الأحقاد.
وقد شاع في الفضاء الرقمي مؤخراً تداول عبارات تُنسب إلى ابن خلدون، من أشهرها الزعم بأنه قال: «×العرب إذا جاعوا باعوا نساءهم×»، وهي عبارة ملفقة لا وجود لها في النصوص المحققة لكتابه (المقدمة) لا في صفحة٢٦ ولا في غيرها.
أولًا: بين النص الثابت والنص الملفق:☆الثابت في (المقدمة) قوله: «العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب.»
وقد ورد هذا القول في سياق تحليله لطبيعة السلوك البدوي، ضمن نظريته في العصبية ودورات الدولة. فهو لا يتحدث عن شرفٍ أو أخلاقٍ فردية أو عامة لدى أمة بكاملها، بل عن أثر نمط العيش القائم على الغلظة والتنقل البدوي في استقرار العمران.
أما عبارة “×بيع العرب النساء عند الجوع×” المزعومة فلا وجود لها في النصوص الخلدونية المعتمدة، وهي من قبيل الإضافة الملفقة التي يتداولها بعض الاشخاص دون توثيق.
ثانيًا: السياق العلمي للنص:لفهم كلام ابن خلدون، ينبغي مراعاة ثلاثة أمور:
1.أنه يتحدث عن شريحة من الاشخاص ذات نمط اجتماعي (البدو) لا عن عرقٍ أو قومية كلها، بالمعنى الحديث.
2.أن تحليله وصفيٌّ تاريخيّ، لا حكم أخلاقي.
3.أنه هو نفسه عربي النسب، وقد ذكر اعتزازه بأصله في صدر (المقدمة)ولا يعقل ولا يجوز شرعا أن يطعن بأمة محمد ص.
إذن، فالمشكلة ليست في النص، بل في اقتطاعه من سياقه وتحميله ما لم يقصده على طريقة المجتزئين المقصودين بقول ٲلـلَّـﷻـۂ {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} (الحجر:91)
ثالثًا:دوافع الاجتزاءيمكن تفسير هذه الظاهرة بعدة عوامل:
الانتقائية الأيديولوجية
الرغبة في الإثارة.
الجهل بالمصادر.
التعصب القومي والشعوبية. وفي جميع الأحوال، فإن الاجتزاء يُحوِّل التحليل العلمي إلى أداة نزاع وإثارة للكراهية والبغضاء.
يتبع
الاجتزاء والتحريف في قراءة النصوص2بقلم:
د.رعدهادي جبارة
الأمين العام
للمجمع القرآني الدولي
الاجتزاء وسوء الفهم في قراءة فكر د.علي الوردي
تمهيد:إذا كان الاجتزاء قد طال نصوص التراث (ابن خلدون)، فإنه طال كذلك مفكري العصر الحديث، ومن أبرزهم عالم الاجتماع العراقي د.علي الوردي.
فالدكتور الوردي قدّم قراءة نقدية للمجتمع العراقي، متناولًا مفاهيم مثل ازدواجية الشخصية، وصراع البداوة والحضارة، محاولًا تفسير الظواهر الاجتماعية في ضوء منهج علم الاجتماع.
أولًا: الفرق بين النقد والحقد النقد الاجتماعي يروم التشخيص تمهيدًا للإصلاح.
أما الحقد، فيبحث عن عبارات تؤكد موقفًا مسبقًا.
د.الوردي لم يكن في مشروعه الفكري سابًّا ولا شاتمًا، بل ناقدًا يسعى إلى فهم التناقض بين القيم المعلنة والسلوك الواقعي. غير أن بعض المتلقين يقتطعون من كلامه جملة، ويتركون سياقًا كاملاً، فيتحول التحليل إلى شعارٍ عدمي.
ثانيًا: إسقاطات معاصرة على نصوص تحليليةإن كثيراً من سوء الفهم ناتج عن:
_إسقاط مفاهيم سياسية حديثة على نصوص اجتماعية تحليلية.
_قراءة النص بعين الغضب لا بعين البحث.
_توظيف النقد الداخلي لتبرير جلد الذات أو احتقار الهوية.
وهنا يتحول النص الإصلاحي إلى أداة صراع.
ثالثًا: مسؤولية المتلقيلا شك أن المفكر ليس معصومًا، ويؤخذ من قوله ويُرد، لكن العدالة العلمية تقتضي:
قراءةالنص كاملاً.
فهم سياقه التاريخي.
التفريق بين التحليل والوصف من جهة، والحكم الأخلاقي من جهة أخرى.
الخاتمةيتبين من خلال النموذجين أن ظاهرة الاجتزاء ليست خللًا في النصوص بقدر ما هي خلل في طرائق القراءة.
فالتحليل إذا قُرئ كاملًا كان علمًا، وإذا قُرئ مبتورًا صار سلاحًا.
ومن هنا تتأكد مركزية التوجيه القرآني في ضبط الخطاب الاجتماعي، إذ يقول ٲلـلَّـﷻـۂ:
۩﷽۩﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
(الأنفال: 46)
ويقول سبحانه:
۩﷽۩﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا… وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۚ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾
(الحجرات11–12)
فالتنازع، والغيبة، والتنابز، والعصبية، كلها آفات تهدم المجتمعات من داخلها، سواء استندت إلى نص ديني أو إلى قول مفكر.
وعليه، فإن القراءة المنصفة للنصوص — تراثية كانت أم معاصرة — واجب علمي وأخلاقي، يحفظ وحدة المجتمع ويصون كرامة الإنسان، ويجعل الفكر أداة إصلاح لا وقودًا للفرقة.
المصادر:1.ابن خلدون، المقدمة، ضمن كتاب العِبر وديوان المبتدأ والخبر، تحقيقات متعددة (دار الفكر، دار صادر، وغيرها).
2.علي الوردي:
_وعاظ السلاطين
_دراسة في طبيعة المجتمع العراقي
_مهزلة العقل البشري
•••و
_دراسات معاصرة حول فكر ابن خلدون في العمران والعصبية.
_دراسات نقدية في منهج علي الوردي في علم الاجتماع.
_كتب في منهجية البحث وتحليل الخطاب.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر