في الأدب: مفارقة مونيه والسياب… الكاتب عائد ماجد

منبر العراق الحر :

في العام 1872 أنجز الفنان الفرنسي كلود مونيه لوحته الشهيرة «انطباع شروق الشمس» على ميناء لوهافر. كانت هذه اللوحة تمثل تشكّلًا جديدًا للفن في أواخر القرن التاسع عشر، حيث رُسمت في وقت حساس بعد انتهاء الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871م). لم تكن اللوحة مجرد تصوير لمشهد الفجر في ميناء لوهافر، ولم تكن مجرد لوحة تعبّر عن عمارة المكان أو الأشخاص الموجودين فيه وعدد القوارب والحركة التي تتم في هذا الميناء، بل كانت لحظة وعي جديدة بطريقة الرسم والنظر إلى المشاهد التي يتم رسمها.

عُرضت هذه اللوحة في المعرض الذي أقامه عدد من الفنانين المستقلين في باريس. وكانت تمثل درة التاج داخل هذا المعرض، حيث أثارت الكثير من الآراء والنقاشات بين النقاد، ومنهم لويس لوروا الذي كتب مقالًا كاملًا ينتقد فيه هذه اللوحة، ويُعد أول من صاغ مفهوم الانطباعية. ولم يصغه طبعًا إعجابًا بالرؤية الجديدة التي جسدتها لوحة كلود مونيه، بل كان مصطلح سخرية من هذه الرؤية التي كانت تخالف الرؤية السائدة آنذاك، أي الرؤية الكلاسيكية في الرسم؛ حيث الأشكال واضحة، مخططة، مرسومة بدقة كأنها أشبه بالصور الحقيقية.

كانت لوحة مونيه مختلفة كل الاختلاف عن هذه الرؤية؛ فقد صوّر ميناء لوهافر في فرنسا عند شروق الشمس، فلا نرى أي تفاصيل عمرانية دقيقة ومخططة بشكل واضح، ولا نرى الأشخاص بوضوح، ولا نرى الأفق حتى، بل نرى فقط قرص الشمس البرتقالي، وانعكاس أشعتها على الماء، وقوارب صغيرة، ويملأ المشهد ضباب كثيف. لم تكن هذه العناصر القليلة ضعفًا تكوينيًا في اللوحة أو عجزًا من مونيه عن رسم كل صغيرة وكبيرة من تفاصيل الميناء، وهو الذي رسم قبل هذه اللوحة العديد من اللوحات بالطريقة الكلاسيكية، بل كانت رؤية جديدة؛ فهو لا يرسم الميناء ذاته، بل يرسم الضوء وانعكاسه على الأشياء خارج المرسم المغلق الذي تعود فنانو ذلك العصر على رسم المشاهد فيه.

استبدل الخطوط الواضحة والقيود والقواعد التي كانت تضعها الأكاديمية الكلاسيكية بضربات فرشاة سريعة، واضحة وفارقة، تبدو غير مكتملة من جهة، لكنها ترسم كل شيء إن نظرت إليها من مسافة مناسبة، كأنك لا ترى المشهد فقط، بل تحس بما أحس به كلود مونيه أثناء رسم اللوحة؛ الهواء البارد الرطب وهو يدخل أنفك، وصوت الماء، وشكل الضباب، وكأنك تعيش اللحظة لا تراها فقط، كما يحدث في الرسم بطريقته الكلاسيكية الذي اهتم بالتصوير أكثر من أي شيء آخر.

كانت نظرة مونيه هذه من أقوى الضربات التي أثرت في الفن الأوروبي والفن العالمي بشكل عام، حيث وصلت رؤيته إلى كل مكان اهتم بالرسم، بل إن هذه النظرة كانت أساسًا في ظهور أساطير فنية مثل فرانك بنسون بلوحاته الرائعة، وفان كوخ صاحب الإنتاج الفني الغزير، الذي قفز بنظرة مونيه إلى الأمام فيما عُرف لاحقًا بما بعد الانطباعية. كانت لوحة «انطباع شروق الشمس» بداية لكل هذا، أو من أكثر اللوحات تأثيرًا في نقل هذه الرؤية الفلسفية الفنية للواقع؛ إذ تؤكد أن العالم متغير باستمرار، وأن المشاهد التي نراها متغيرة تبعًا للضوء وللوقت ولنفسية المشاهد. وهكذا تتحول اللوحة من بنية تصويرية سهل صنعها بالآلة في عصرنا هذا، حيث تقوم الكاميرا بهذا العمل بسهولة وسرعة، إلى بنية حسية تابعة للمشاهد.

وفي عام 1947م نُشر ديوان بعنوان «أزهار ذابلة» لشاعر شاب آنذاك يُسمى بدر شاكر السياب. كان هذا الديوان يضم قصائد رومانسية، التزم كثير منها بالوزن الخليلي العروضي، لكن تعددت قوافيها، ليأخذ مسار التجديد منذ هذا الديوان إلى بقية أعماله. وكان آخر ديوان أصدره قبل وفاته هو «منزل الأقنان» الذي صدر عام 1963م، واحتوى بالكامل على قصائد التفعيلة.

كنت، في وقت مبكر من اطلاعي على شعر بدر شاكر السياب، أشبهه بكلود مونيه، وأشبه حركته الشعرية بالحركة الانطباعية، رغم كل الانتقادات التي حصل عليها كل من هذين الفنانين؛ فقد وُصفت حركة الشعر الحر بأنها مجرد عجز عن كتابة الشعر العمودي ببحوره، كما وُصفت الانطباعية بأنها حركة لمن هم غير قادرين على رسم المشاهد بدقة كما يفعل الكلاسيكيون.

وبعيدًا عن الجدل بشأن من هو أول من كتب قصيدة بنظام التفعيلة، فإن السياب لون خاص في القصيدة العربية؛ فهو لم يتخلَّ بشكل اعتباطي عن الوزن التقليدي والقافية التقليدية. لا يمكن لنا أن ننكر أن السياب تفوق على جميع معاصريه، بل وأثر فيهم بقصيدة التفعيلة، فكان له أسلوبه الخاص المؤثر في هذا النمط. لم يكتفِ بالتخلي عن الصدر والعجز والقافية المتكررة في كل بيت، بل بنى القصيدة كما رُسمت اللوحة الانطباعية بضربات فرشاة سريعة متفرقة، تكون مشهدًا من بعيد. وإذا اقتربت منها كأنه يرسم الشمس من وراء الضباب، كذلك فعل السياب بالقافية والتسجيع؛ اعتمد على قدرته في مرافقة وزن القصيدة لأنه متشبع بالشعر العربي، فكانت المحافظة على الوزن أسهل الجوانب في كتابة القصيدة بالنسبة إليه، مما حوّل التركيز إلى الصور والأسلوب والتشبيهات التي أبدع فيها أيضًا، لكثرة تشبعه بالشعر العربي والغربي، خاصة الشعر الإنجليزي.

ولنأخذ قصيدته الشهيرة «أنشودة المطر» مثالًا لعرض قدرته الشعرية؛ حيث كان يلاعب القوافي التي تتغير حسب الصورة الشعرية التي يريد طرحها دون نشاز، وكان يطيل ويقصر الشطر الشعري كما يريد دون أن يفسد الوزن، وهذا ما أرى أن السياب تفوق فيه على العديد من معاصريه:

وعبر أمواج الخليج تمسح البروق
سواحل العراق بالنجوم والمحار
كأنها تهم بالشروق
فيسحب الليل عليها من دم دثار
أصيح بالخليج: يا خليج
يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى
فيرجع الصدى
كأنه النشيج:
يا خليج
يا واهب اللؤلؤ والردى

هكذا حول السياب القصيدة من بنية رياضية محسوبة، كقطعة رخام لا يسمح لك بنقش حرف عليها، إلى فضاء الإبداع والشعور، كما فعل كلود مونيه مع اللوحة الأوروبية؛ إذ حول اللوحة من خطوط واضحة وتلوين وتصوير فقط إلى شعور وإحساس، وكأنك تحس باللوحة لا تراها. فكلاهما كسر قواعد فنه كما يجب أن يفعل ليعبر عن نفسه ويفتح المجال للإبداع.
عرض

اترك رد