منبر العراق الحر :…كيف تنظر عواصم الخليج إلى صعود مجتبى خامنئي؟ (الجزء الرابع من سلسلة : المرشد) ….
الافتتاحية: الخليج يقرأ لحظة تاريخية
في لحظات التحول الكبرى في الشرق الأوسط لا يُقرأ تغيير القيادة في طهران بوصفه شأناً إيرانياً داخلياً فحسب، بل باعتباره حدثاً إقليمياً يمتد تأثيره إلى الخليج وأسواق الطاقة العالمية وتوازنات القوة في المنطقة بأكملها.
فصعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد يأتي في لحظة حساسة تعيش فيها المنطقة واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ عقود، حيث تتقاطع الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مع صعود جيل جديد من القادة في الخليج، ومع تغيرات أوسع في النظام الدولي.
ولهذا لا تنظر العواصم الخليجية إلى المرشد الجديد بوصفه مجرد قائد ديني للجمهورية الإسلامية، بل بوصفه أحد الفاعلين الرئيسيين في معادلة الأمن الإقليمي التي تربط إيران بجيرانها العرب عبر الجغرافيا والطاقة والتحالفات الدولية.
ومن هنا يصبح السؤال الذي يشغل العواصم الخليجية اليوم ليس فقط من هو المرشد في طهران، بل كيف ستتغير علاقة إيران مع الخليج في ظل القيادة الجديدة، وفي ظل حرب إقليمية مفتوحة الاحتمالات.
1️⃣ المقدمة:
في العواصم الخليجية لم يعد التفكير الاستراتيجي في العلاقة مع إيران محكوماً فقط بذاكرة الصراعات القديمة في المنطقة، بل أصبح يتشكل أيضاً في ظل واقع جديد تقوده تحولات اقتصادية وتكنولوجية عميقة. فدول الخليج يقودها اليوم جيل شاب من القادة يسعى إلى إعادة صياغة موقع المنطقة في النظام العالمي، عبر مشاريع تنموية كبرى ترتبط بالاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وبناء اقتصادات أكثر تنوعاً وانفتاحاً على العولمة.
هذا التحول يضع الخليج أمام معادلة مختلفة في علاقته مع إيران. فبينما تسعى العواصم الخليجية إلى بناء نموذج اقتصادي حديث يقوم على الاستقرار والانفتاح العالمي، تبقى إيران قوة إقليمية تمتلك مشروعاً سياسياً وأمنياً تشكل عبر عقود من الصراعات والتحولات في الشرق الأوسط.
ومع صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد تدخل هذه العلاقة مرحلة جديدة من الحسابات الاستراتيجية. فإيران نفسها تشهد انتقالاً تدريجياً داخل بنية نظامها السياسي، حيث يظهر جيل جديد نشأ داخل المؤسسات الأمنية والدينية للجمهورية الإسلامية، ويحاول إدارة توازن معقد بين إرث الثورة التي قادها الخميني وبين التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة.
ومن هنا لا يُطرح السؤال في الخليج فقط حول شخصية المرشد الجديد، بل حول الاتجاه الذي قد تسلكه إيران في مرحلة تتداخل فيها الحرب الإقليمية مع التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا والسياسة الدولية.
فهل ستتجه المنطقة نحو تصعيد طويل يعيد رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط، أم أن الجيل الجديد من القادة في الخليج وإيران قد يجد نفسه مضطراً لصياغة توازنات جديدة تحكم العلاقة بين الجانبين في العقود القادمة؟
2️⃣ الخليج بين الردع الأمريكي… والمساومة مع إيران
في الحسابات الاستراتيجية لدول الخليج لا تُدار العلاقة مع إيران عبر خيار واحد بسيط يقوم على الصراع أو التهدئة، بل عبر معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين الردع العسكري والتحوط السياسي. فالعواصم الخليجية تدرك أن ميزان القوة في المنطقة لا يمكن فصله عن الوجود العسكري الأمريكي الذي يشكل منذ عقود أحد أهم ركائز الاستقرار الأمني في الخليج.
فالولايات المتحدة تحتفظ بشبكة واسعة من القواعد الجوية والبحرية في المنطقة، وتعمل عبر تحالفات أمنية وعسكرية مع دول الخليج لضمان حماية طرق الملاحة والطاقة العالمية. وهذه المظلة الاستراتيجية تمثل بالنسبة لدول الخليج عنصر ردع أساسياً في مواجهة أي تصعيد عسكري واسع قد يهدد استقرار المنطقة.
لكن في الوقت نفسه تدرك هذه الدول أن الجغرافيا السياسية تفرض معادلة أخرى لا تقل أهمية: إيران ستبقى جاراً دائماً عبر مياه الخليج، ولا يمكن لأي منظومة أمنية في المنطقة أن تتجاهل هذه الحقيقة الجغرافية.
ولهذا اتجهت بعض العواصم الخليجية خلال السنوات الأخيرة إلى محاولة إدارة العلاقة مع طهران عبر مزيج من السياسات المتوازنة. فمن جهة تستمر الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة والدول الغربية لتعزيز ميزان الردع في الخليج، ومن جهة أخرى تبقى قنوات الاتصال الدبلوماسي مفتوحة مع إيران لتقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تهدد استقرار المنطقة واقتصادها.
ومع صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد تصبح هذه المعادلة أكثر حساسية. فدول الخليج تراقب باهتمام ما إذا كانت القيادة الجديدة في طهران ستتجه نحو تعزيز خطاب المواجهة الذي غالباً ما يرتبط بتصريحات قادة الحرس الثوري الإيراني، أم نحو مقاربة أكثر براغماتية تسمح بإعادة ضبط العلاقة مع جيران إيران في الخليج.
وفي ظل الحرب الجارية في المنطقة تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالتصعيد العسكري قد يرفع من أهمية الردع الأمريكي في الخليج، لكنه في الوقت نفسه يزيد من حاجة دول المنطقة إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع إيران لتجنب أن يتحول الخليج إلى ساحة مباشرة لصراع إقليمي واسع.
وفي النهاية يبقى الخليج ساحة توازن دقيقة بين قوتين استراتيجيتين:
الردع الذي توفره التحالفات الدولية بقيادة الولايات المتحدة، والمساومة التي تفرضها الجغرافيا السياسية مع إيران.
3️⃣ الخليج بين إيران الثورة… وإيران الدولة
في القراءة الاستراتيجية داخل العواصم الخليجية لا تُفهم السياسة الإيرانية في المنطقة بوصفها سياسة تصدر عن مركز واحد متجانس، بل تُقرأ غالباً عبر التمييز بين مستويين مختلفين داخل بنية النظام الإيراني: إيران الثورة و إيران الدولة.
إيران الدولة هي الجمهورية التي تتعامل معها الحكومات الخليجية عبر القنوات الرسمية للدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية والتجارية. وهي إيران التي تظهر في الاتفاقيات الاقتصادية، وفي اللقاءات السياسية، وفي الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن التعاون الإقليمي واستقرار الخليج وأمن الملاحة والطاقة.
أما إيران الثورة فهي الوجه الآخر للنظام الإيراني الذي تشكّل منذ الثورة التي قادها الخميني عام 1979، والذي يحمل بعداً عقائدياً وأمنياً يتجاوز حدود الدولة التقليدية. وفي هذا المستوى يظهر الدور المحوري لمؤسسات مثل الحرس الثوري الإيراني التي تمتلك نفوذاً واسعاً في السياسة الإقليمية لإيران، وتتعامل مع المنطقة ضمن معادلة صراع أوسع تتداخل فيها الاعتبارات الأيديولوجية مع التوازنات العسكرية.
هذا التمييز بين مستويين داخل النظام الإيراني يفسر إلى حد كبير سبب اكتفاء دول الخليج حتى الآن بإجراءات دفاعية رغم التصعيد العسكري الذي لوّح به الحرس الثوري خلال الحرب الجارية في المنطقة. فالعواصم الخليجية تدرك أن الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية مع إيران قد يحول الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي المرتبط بشكل وثيق بأسواق الطاقة في الخليج.
ولهذا تميل دول الخليج في هذه المرحلة إلى إدارة التوتر بدلاً من توسيعه. فهي تعزز قدراتها الدفاعية وتنسق أمنياً مع الولايات المتحدة وحلفائها، لكنها في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على قنوات اتصال مع إيران لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تضع المنطقة في قلب الصراع الدائر بين إيران من جهة والتحالف الأمريكي-الإسرائيلي من جهة أخرى.
ومن هذا المنظور ترى بعض العواصم الخليجية أن الحفاظ على قنوات الاتصال مع إيران الدولة قد يبقى ضرورياً حتى في لحظات التصعيد مع إيران الثورة. فالجغرافيا السياسية تجعل من الخليج مساحة مشتركة لا يمكن لأي طرف فيها أن يعزل نفسه بالكامل عن الآخر، مهما بلغت درجة التوتر السياسي أو العسكري.
ولهذا يمكن القول إن السياسة الخليجية الحالية تقوم على معادلة دقيقة: الردع دون الحرب، والتوازن دون الانخراط في الصراع المفتوح.
4️⃣ الخليج لا يريد سقوط ايران… ولا انتصارها
في القراءة الواقعية داخل كثير من العواصم الخليجية لا يُنظر إلى الصراع الدائر في المنطقة بوصفه مواجهة بسيطة بين طرفين يمكن أن يخرج أحدهما منتصراً بشكل كامل. فبالنسبة لدول الخليج، كلا السيناريوهين المتطرفين – سقوط النظام الإيراني أو انتصاره الكامل – يحملان مخاطر استراتيجية كبيرة على استقرار المنطقة.
فانهيار النظام الإيراني، وهو السيناريو الذي يظهر أحياناً في الخطاب الإسرائيلي المتشدد، قد يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار في دولة كبيرة ومعقدة مثل إيران. وهذا الاحتمال قد يعني فوضى سياسية وأمنية في واحدة من أهم دول الشرق الأوسط، وهو تطور قد يمتد تأثيره بسرعة إلى الخليج وأسواق الطاقة العالمية.
وفي المقابل فإن خروج إيران من الصراع وهي أكثر قوة ونفوذاً في المنطقة قد يعزز موقعها الإقليمي بشكل كبير، ويمنحها مساحة أوسع لتوسيع نفوذها السياسي والعسكري في الشرق الأوسط، وهو ما تنظر إليه دول الخليج أيضاً بوصفه سيناريوً يحمل تحديات استراتيجية كبيرة.
ولهذا تميل بعض التحليلات الخليجية إلى قراءة الصراع الحالي عبر معادلة مختلفة تقوم على توازن النتائج بدلاً من الانتصار المطلق لأي طرف.
ففي حين تسعى إسرائيل إلى إضعاف إيران إلى الحد الذي يفقدها القدرة على تشكيل تهديد استراتيجي مباشر، تركز الولايات المتحدة في كثير من الأحيان على هدف مختلف يتمثل في تغيير سلوك النظام الإيراني واحتواء نفوذه الإقليمي دون الدخول في حرب طويلة لتغيير النظام.
أما إيران نفسها، وخاصة القيادة المرتبطة بالحرس الثوري، فتنظر إلى الصراع من زاوية أخرى تماماً: بقاء النظام واستمرار الجمهورية الإسلامية بوصفه الهدف الاستراتيجي الأعلى الذي يجب الحفاظ عليه مهما بلغت كلفة المواجهة.
وفي وسط هذه المعادلة المعقدة تقف دول الخليج أمام خيار مختلف. فهي لا تسعى إلى انهيار إيران، ولا ترغب في خروجها من الصراع وهي أكثر قوة ونفوذاً. ولهذا تميل بعض العواصم الخليجية إلى تصور مخرج آخر يقوم على تسوية إقليمية تقلل من التوترات وتعيد صياغة العلاقة بين إيران وجيرانها في الخليج ضمن معادلة يمكن وصفها بـ “رابح–رابح”.
فبالنسبة لدول الخليج يبقى الهدف الأساسي هو الحفاظ على استقرار الخليج وأسواق الطاقة العالمية، حتى لو استمر التنافس السياسي مع إيران في إطار توازن إقليمي يمكن إدارته.
5️⃣ ماذا تريد دول الخليج من المرشد الجديد؟
في العواصم الخليجية لا يُنظر إلى صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد بوصفه مجرد حدث داخلي في إيران، بل باعتباره اختباراً لاتجاه السياسة الإيرانية في المرحلة المقبلة. فدول الخليج لا تنتظر من المرشد الجديد تغييراً أيديولوجياً جذرياً في طبيعة النظام الإيراني، لكنها تراقب بعناية ما إذا كانت القيادة الجديدة ستختار تخفيف حدة الصراع الإقليمي أو الاستمرار في سياسة النفوذ والتوسع التي طبعت العلاقة بين إيران وجيرانها خلال العقود الماضية.
وفي هذا السياق يمكن تلخيص ما تريده دول الخليج من القيادة الجديدة في طهران في ثلاثة عناصر رئيسية. أولها استقرار الخليج وعدم تحويله إلى ساحة صراع إقليمي أو منصة لتبادل الرسائل العسكرية. وثانيها ضمان أمن الملاحة والطاقة في الخليج ومضيق هرمز، وهو أمر يمثل مصلحة استراتيجية مشتركة لجميع دول المنطقة نظراً لمكانة الخليج في الاقتصاد العالمي. أما العنصر الثالث فهو تقليص التوترات الأمنية التي تراكمت خلال السنوات الماضية نتيجة الصراعات الإقليمية وشبكات النفوذ المتشابكة في الشرق الأوسط.
وبعبارة أخرى، لا تنتظر دول الخليج من المرشد الجديد أن يغيّر هوية النظام الإيراني، لكنها تأمل أن تقود القيادة الجديدة في طهران سياسة إقليمية أقل تصادماً وأكثر قابلية للتوازن في العلاقة مع جيران إيران العرب.
6️⃣ الحرس الثوري… الذاكرة الخليجية الثقيلة
لكن قراءة الخليج لمستقبل العلاقة مع إيران لا تنطلق فقط من موقع المرشد، بل من تجربة طويلة مع المؤسسة التي لعبت الدور الأكثر حضوراً في الصراعات الإقليمية: الحرس الثوري الإيراني.
ففي الذاكرة الاستراتيجية لدول الخليج لا يقتصر الحرس الثوري على كونه مؤسسة عسكرية داخل إيران، بل يُنظر إليه بوصفه الفاعل الأكثر تأثيراً في إدارة النفوذ الإيراني في المنطقة. وقد ارتبط اسمه في كثير من الأزمات الإقليمية بالقدرات الصاروخية والعمليات غير التقليدية التي جعلت بعض المدن والمنشآت الاقتصادية في الخليج تشعر بأنها تقع ضمن دائرة الصراع.
ولهذا فإن العواصم الخليجية تنظر إلى العلاقة الوثيقة بين مجتبى خامنئي والحرس الثوري بوصفها عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة. فكلما ازداد تأثير الحرس في صياغة القرار الاستراتيجي الإيراني، ازداد القلق الخليجي من احتمال دخول المنطقة في مرحلة جديدة من التصعيد الأمني.
ومن هنا فإن أحد أهم الأسئلة المطروحة في الخليج اليوم ليس فقط كيف سيتصرف المرشد الجديد، بل إلى أي مدى سيبقى الحرس الثوري اللاعب الأكثر تأثيراً في رسم السياسة الإقليمية لطهران.
7️⃣ كيف يرى مجتبى خامنئي والحرس الثوري الخليج؟
في المقابل لا تنظر القيادة الإيرانية إلى دول الخليج بوصفها مجرد جيران جغرافيين، بل كجزء من معادلة أمنية أوسع تتداخل فيها التحالفات الدولية والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
ففي الخطاب السياسي والأمني الإيراني، وخاصة في تصريحات قادة الحرس الثوري الإيراني، يظهر الخليج غالباً باعتباره ساحة يتقاطع فيها النفوذ الإيراني مع شبكة القواعد العسكرية والتحالفات التي تقودها الولايات المتحدة. ولهذا يرى بعض المسؤولين الإيرانيين أن أمن الخليج لا يمكن أن يتحقق عبر ترتيبات أمنية تعتمد على القوى الخارجية فقط، بل يجب أن يقوم على نظام أمني إقليمي تشارك فيه دول المنطقة نفسها.
ومن هذا المنظور تنظر طهران إلى بعض دول الخليج الحليفة للولايات المتحدة باعتبارها جزءاً من التوازن الاستراتيجي الذي تسعى إيران إلى إعادة صياغته في المنطقة. وهذا ما يفسر اللغة الصارمة التي يستخدمها بعض قادة الحرس الثوري في الحديث عن أمن الخليج، والتي تختصر أحياناً في معادلة واضحة:
“إما أمن للجميع… أو لا أمن لأحد.”
ولهذا فإن العلاقة بين إيران ودول الخليج تبقى محكومة بتوازن معقد بين الجغرافيا والتحالفات الدولية وموازين القوة الإقليمية، وهو توازن قد يتأثر بشكل كبير بالاتجاه الذي ستسلكه القيادة الجديدة في طهران في السنوات القادمة.
8️⃣ الخاتمة:
في النهاية لا تُقرأ العلاقة بين إيران ودول الخليج فقط عبر التصريحات السياسية أو التحركات العسكرية اليومية، بل عبر ميزان أعمق بكثير يتعلق بتوازن القوة في الخليج والشرق الأوسط بأكمله.
فصعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد يأتي في لحظة إقليمية استثنائية، حيث تتقاطع عدة مسارات في آن واحد: حرب مفتوحة الاحتمالات في المنطقة، صعود جيل جديد من القادة في الخليج، وتغيرات في النظام الدولي تعيد رسم موازين القوة بين الولايات المتحدة والقوى الإقليمية.
وفي قلب هذه المعادلة تبقى إيران لاعباً لا يمكن تجاوزه في الخليج، سواء من خلال موقعها الجغرافي أو قدراتها العسكرية أو نفوذها السياسي في المنطقة. ولهذا فإن العلاقة بين إيران وجيرانها في الخليج ستبقى محكومة بتوازن دقيق بين الردع والتفاوض، وبين التنافس والتعايش في آن واحد.
فالجغرافيا السياسية لا تسمح لأي طرف في الخليج أن يلغي الآخر، مهما بلغت حدة الصراع أو حجم التوتر السياسي. ولهذا يبدو أن مستقبل المنطقة لن يُحسم فقط في ميادين الحرب، بل أيضاً في قدرة القوى الإقليمية على إعادة صياغة معادلة أمنية جديدة تضمن استقرار الخليج وممرات الطاقة العالمية.
لكن الخليج ليس الساحة الوحيدة التي يتحدد فيها تأثير المرشد الجديد في الشرق الأوسط. فهناك دولة أخرى في قلب المنطقة أكثر التصاقاً بالمعادلة الإيرانية، وأكثر حساسية في توازنات القوة داخل المنطقة تتقاطع فيها خطوط النفوذ الإيراني والأمريكي بشكل مباشر، وتشكل منذ عام 2003 إحدى أكثر الساحات حساسية في توازن العلاقة بين طهران وواشنطن.
هذه الدولة هي العراق.
فالعراق بعد عام 2003 لم يعد مجرد جار جغرافي لإيران، بل أصبح ساحة يتداخل فيها النفوذ السياسي والديني والأمني والاقتصادي بين البلدين. ولهذا فإن صعود المرشد الجديد في طهران يطرح أسئلة مختلفة داخل العراق: كيف ستتعامل القوى السياسية العراقية مع القيادة الجديدة في إيران؟ وكيف ستقرأ المرجعية الدينية في النجف هذا التحول؟ وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل التوازن بين النفوذ الإيراني والسيادة العراقية؟
وهذا ما سنناقشه في الجزء الخامس من هذه السلسلة:
«المرشد… كما يراه عراق ما بعد 2003»
الساحة الأكثر التصاقاً بالمعادلة الإيرانية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر