*صواريخ الشرق الأوسط تشعل أسواق الطاقة* …ناجي الغزي

منبر العراق الحر :…..كاتب وسياسي….
لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت بسرعة إلى صدمة اقتصادية عالمية تهدد بنية سوق الطاقة الدولية. فمع دخول الحرب أسبوعها الثاني، لم يعد مسرح العمليات مقتصراً على السماء أو الميدان العسكري، بل امتد إلى قلب النظام الاقتصادي العالمي: أسواق النفط، سلاسل الإمداد، وممرات الطاقة الاستراتيجية.
من منظور اقتصادي بحت، تمثل هذه الحرب مثالاً كلاسيكياً على ما يسميه خبراء الاقتصاد السياسي للطاقة “صدمة العرض الجيوسياسية”. فعندما يتعرض مصدر رئيسي للطاقة أو ممر حيوي لنقلها للخطر، لا تتأثر الأسعار فحسب، بل تتغير أيضاً بنية التوقعات في السوق، وهو ما يدفع المتعاملين إلى إعادة تسعير المخاطر في النظام الاقتصادي العالمي.
*مضيق هرمز: نقطة الاختناق في النظام النفطي العالمي*
يعد مضيق هرمز أهم ممر بحري للطاقة في العالم. فحوالي 20 مليون برميل من النفط يومياً تمر عبر هذا المضيق، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، إضافة إلى جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال.. كما أن ما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحراً يمر عبر هذا الممر الضيق، ما يجعله أحد أهم “نقاط الاختناق” في الاقتصاد العالمي.
لذلك فإن أي تعطيل لحركة الملاحة في المضيق لا يمثل مجرد حادث جيوسياسي، بل يشكل صدمة هيكلية في سوق الطاقة العالمي. وقد ظهرت آثار هذه الصدمة سريعاً في الأسواق. فمع تصاعد التوترات وإغلاق المضيق فعلياً أمام جزء كبير من حركة الشحن، قفزت أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل، في أكبر موجة تقلبات تشهدها الأسواق منذ سنوات.
*اقتصاد الحرب: إعادة تسعير المخاطر*
الاقتصاد العالمي لا يتفاعل مع الحروب فقط عبر توقف الإمدادات الفعلية، بل أيضاً عبر تغير التوقعات المستقبلية. فعندما يزداد احتمال تعطل الإمدادات، تدخل الأسواق في ما يعرف بـ علاوة المخاطر الجيوسياسية، حيث يبدأ المتعاملون في شراء النفط تحسباً للنقص المتوقع، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في المعروض.
هذا ما حدث بالفعل خلال الأيام الأولى للحرب. فحتى قبل أن تتراجع الصادرات فعلياً، شهدت الأسواق موجة شراء واسعة رفعت الأسعار بشكل حاد، لأن المتعاملين بدأوا في تسعير احتمال فقدان جزء كبير من إمدادات الخليج.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما يتعلق الأمر بمنطقة الخليج العربي، لأن اقتصادات آسيا وأوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على نفط الشرق الأوسط. ففي حالة اليابان مثلاً، يأتي نحو 95% من وارداتها النفطية من المنطقة، ما يجعل أي اضطراب فيها يمثل تهديداً مباشراً لأمنها الطاقوي.
*حدود قدرة العالم على تعويض النفط الخليجي*
من الناحية النظرية، يمكن للأسواق العالمية تعويض جزء من الإمدادات المفقودة عبر: زيادة الإنتاج من منتجين آخرين، أو استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، أو إعادة توجيه تدفقات التجارة العالمية. لكن المشكلة أن حجم النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز ضخم للغاية.
فحتى لو قررت الدول الصناعية سحب كميات كبيرة من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، فإن قدرتها على ضخ هذه الكميات في السوق تبقى محدودة مقارنة بحجم التدفقات اليومية عبر المضيق. وقد اقترحت وكالة الطاقة الدولية بالفعل إطلاق ما يصل إلى 400 مليون برميل من الاحتياطيات العالمية في محاولة لتهدئة الأسواق. لكن حتى هذا الرقم الكبير لا يمثل سوى جزء محدود من التدفقات النفطية التي تمر عبر المضيق خلال أسابيع قليلة فقط.
*الاقتصاد السياسي للحرب: روسيا كمستفيد غير مباشر*
في خضم هذه الأزمة، تظهر مفارقة لافتة في الاقتصاد السياسي للطاقة. فالدول التي تعتمد على تصدير النفط، وعلى رأسها روسيا، قد تكون من بين أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.
قبل اندلاع الحرب، كانت التوقعات تشير إلى احتمال انخفاض أسعار النفط في عام 2026 بسبب فائض المعروض في السوق العالمية. لكن تعطّل جزء كبير من صادرات الخليج أعاد تشكيل ميزان العرض والطلب بشكل مفاجئ، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتحسين إيرادات الدول المصدرة للطاقة.
بالنسبة لروسيا، التي يعتمد جزء كبير من اقتصادها على صادرات النفط والغاز، يمثل هذا الارتفاع تعويضاً جزئياً عن أثر العقوبات الغربية. فكل ارتفاع في الأسعار يعني زيادة في العائدات النفطية، حتى دون زيادة في حجم الإنتاج.
وفي الوقت نفسه، تؤدي الحرب إلى استنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية للدول الغربية، ما يمنح موسكو مكاسب استراتيجية غير مباشرة دون أن تنخرط فعلياً في الصراع.
*صدمة الطاقة: من أزمة إقليمية إلى أزمة عالمية*
إن أخطر ما في هذه الحرب ليس عدد الصواريخ التي تُطلق أو المواقع العسكرية التي تُستهدف، بل قدرتها على تحويل التوتر العسكري إلى أزمة طاقة عالمية. فالاقتصاد العالمي الحديث يعتمد بدرجة هائلة على تدفق مستقر للطاقة، وأي اضطراب في هذا التدفق يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من الآثار الاقتصادية، تبدأ بارتفاع أسعار النفط، ثم تمتد إلى التضخم العالمي، وتكاليف النقل، وأسعار الغذاء، وحتى معدلات النمو الاقتصادي.
ولهذا السبب، لا يُنظر إلى الحرب الحالية في أسواق الطاقة باعتبارها مجرد صراع إقليمي، بل باعتبارها اختباراً لقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل صدمة نفطية جديدة.
ففي عالم مترابط اقتصادياً، قد يكون تعطيل ممر بحري واحد كافياً لإعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي.

اترك رد