الدول الفاشلة والاستثمار فيها.. العراق نموذجا …. سمير عادل

منبر العراق الحر :

نجح النظام السياسي القومي الحاكم في إيران، المغلَّف بالأيديولوجية والعقيدة الإسلامية، في الاستثمار في الدول الفاشلة. ويمكن القول إن هذه السياسة تكاد تُعدّ (براءة اختراع) خاصة بهذا النظام، إذ تشكّل سابقة لبرجوازية قومية تسعى إلى توسيع هيمنتها ونفوذها خارج حدودها الجغرافية، من خلال استغلال هشاشة الدول وضعف مؤسساتها، لتحقيق طموحاتها السياسية والاقتصادية.

إن مقولة الدولة الفاشلة في الأدبيات السياسية البرجوازية تشير إلى الدولة غير القادرة على حماية مواطنيها وثرواتها وسيادتها وحدودها. وما نشهده اليوم في ظل الحرب الدائرة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران يقدّم العراق نموذجًا صارخًا للدولة الفاشلة بامتياز. ويمكن تنظيم عشرات ورش العمل وكتابة العديد من الدراسات والبحوث حول هذا النموذج الفاضح ليُدرَّس في مختلف المؤسسات السياسية الدولية.

بمعنى آخر، يُعدّ العراق البلد الوحيد في المنطقة الذي يتعرض لضربات من جميع الأطراف المتحاربة، مع مشاركة طرف ثالث هو نفسه الذي قتل متظاهري تشرين/أكتوبر 2019. ويمكن القول إن ما يجري يشبه نسخة جديدة ومحدثة من لعبة تنس الطاولة: اثنان ضد واحد.

إن السيادة التي صدّعت بها حكومة السوداني رؤوسنا وأصمّت آذاننا طوال الفترة الماضية تُنتهك اليوم بسهولة، وكأن الأمر لا يتجاوز شرب قدح من الماء، دون أن تحرّك هذه الحكومة ساكنًا أو تتخذ موقفًا عمليًا واضحًا لمساءلة وملاحقة من يعبث بأمن جماهير العراق وثرواته.

لقد كانت أبرز “إنجازات” حكومة السوداني، التي طالما تباهت بها منذ تنصيبها بحراب المليشيات التي تضرب طولًا وعرضًا في المؤسسات الاقتصادية والمطارات وتعبث بأمن وسلامة الجماهير، هي: “تشييد الجسور على الطرق” و “وقوف العراق على الحياد” في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. غير أن زمن هذين “الإنجازين” قد انتهى، واتضح أنهما لم يكونا سوى فقاعة إعلامية سرعان ما انفجرت، لتكشف عجز هذه الحكومة التي تحاول إخفاء وجهها ودفن رأسها في الوحل كما تفعل النعامة عندما تشعر بالخطر.

فأما ما يسمى بإنجاز تشييد الجسور، فقد تم بناؤها في الواقع من جيوب العمال والكادحين، حيث تدفع الآن تكاليف إنشاء هذه الجسور من خلال فرض الضرائب ورفع التعرفة الكمركية على السلع، وقطع نسب من الرواتب وتأخير صرفها، فضلًا عن محاولات إلغاء أرباح عمال القطاع النفطي أو تقليص المخصصات الجامعية وغيرها. والمفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن الحكومة لم تدفع حتى الآن مستحقات العديد من المقاولين الذين قاموا بتشييد تلك الجسور.

أما “الحياد”، فقد انكشف على أرض الواقع عبر استهتار المليشيات التي تستهدف ركائز الاقتصاد العراقي، القائم أساسًا على النفط، من خلال ضرب الحقول النفطية، والموانئ والمطارات بحجة استهداف المصالح الأمريكية. وفي المقابل، تحلّق الطائرات الأمريكية والمسيرات لتقصف مواقع الفصائل المسلحة ومقرات الحشد الشعبي، مما يعرّض حياة المدنيين للخطر وينشر الخوف والرعب في المجتمع، بينما لا تجيد حكومة السوداني سوى عدّ الضربات، سواء كانت من المليشيات المتحالفة مع النظام الإيراني أو من القوات الأمريكية.

والأدهى من ذلك أن مجلس القضاء الأعلى يقف موقف المتفرج، رغم تدخله سابقًا في قضايا أقل شأنًا، مثل حادثة اغتيال طبيبة. لكننا لم نرَ هذا المجلس يصدر مذكرات قضائية لملاحقة من يعبث بأمن جماهير العراق وسلامتهم أو يهدد مصادر معيشتهم على الأقل لنزع ذرائع بلطجة القوات الامريكية في العراق التي ليس أقل استهتارا من المليشيات الموالية للنظام الإيراني. وقد تدخل سابقا في قضايا مثل تشكيل الحكومة، اتفاقية خور عبد الله، ومعاشات موظفي وعمال إقليم كردستان. ويبدو أن الطبقة الحاكمة بأكملها تقف عاجزة، لا تملك إلا اعتقال المعارضين للحكومة وقمع الاحتجاجات العمالية والجماهيرية وخنق صوت الحرية، تارة بحجة “الفيديوهات الهابطة” وتارة بذريعة “المساس بقدسية المؤسسات الحكومية أو المراجع الدينية والوطنية”. ويبدو أن “قدسية” هذه المراجع والمؤسسات أصبحت، في نظرهم، أغلى من حياة أربعين مليون إنسان يسعون للعيش بأمن وسلام بعد أن أنهكتهم الحروب والفقر والعوز وعبث العصابات الإسلامية والمليشيات وتعدياتها على حرياتهم وأمنهم.

إن ما نشاهده يوميًا ونعيشه يبيّن بوضوح أن هذه الحكومة، ومعها مجمل الطبقة السياسية الحاكمة، لا تجيد سوى السعي لاحتواء الأصوات المطالبة بالحرية والمساواة والأمان، بينما تلتزم الصمت حيال كل ما عدا ذلك، وتقف في خانة الانتظار.

لكن، وكما يقال، لا يصح إلا الصحيح. فالمقدّس الحقيقي هو الإنسان وحياته، وأثمن ما في هذا العالم هو الإنسان ذاته. إن احترام الإنسان وكرامته وأمنه ومعيشته وحقوقه الإنسانية يجب أن يكون فوق كل اعتبار. وعلى العمال والكادحين والمحرومين في العراق أن يدركوا هذه الحقيقة، وأن يعلوا صوتهم فوق كل الأصوات التي تسوق التضليل باسم السيادة والدين والمذهب بينما تقدم حياة البشر في العراق ومستقبلهم قربانًا لصراعات النفوذ بين الولايات المتحدة والنظام القومي الإيراني في العراق والمنطقة.

فلا مصلحة لعمال العراق ومحروميه في هذه الحرب الدائرة. ولهذا ينبغي رفع الأصوات عاليًا ضد الجماعات التي تدفع البلاد إلى أتون الصراع، والتأكيد على أنه لا مكان لها في المجتمع. لقد كفى ما شهدناه من عمليات الاختطاف والقتل، كما حدث خلال انتفاضة تشرين حين استُهدف أكثر من 800 ناشط ومتظاهر لأنهم طالبوا بالحرية والمساواة والتغيير. وكفى كذلك من التغيير الديموغرافي الطائفي وبناء السجون السرية التي بدأت منذ حكومة المالكي، خصوصًا بعد ما سُمّي بالربيع العربي، حين جرى تصوير الصراع على أنه “حرب بين الحسين ويزيد”، وتقديم المالكي نفسه بوصفه “مختار العصر”. كما كفى نهب هذه المليشيات لثروات الجماهير وسرقة أموالهم عبر الاستحواذ على المناصب الحكومية والوزارات وتخصيص الرواتب والمخصصات لها من الموازنات العامة للدولة.

 

اترك رد