الوثنية الجديدة: من الحجر إلى الإنسان….د. سوزان اسماعيل

منبر العراق الحر :
لم تعد الوثنية في عصرنا سجودًا لحجر، بل صارت خضوعًا للعقول أمام الأشخاص والهالات. فالإنسان الحديث قد يسخر من عابد الصنم القديم، بينما يمارس الوثنية نفسها بصورة أكثر أناقة؛ حين يعطّل عقله أمام مشهور، أو يسلّم وعيه لصاحب شهادة، أو يخلط بين الكاريزما والحقيقة، وبين التأثير والبرهان.
المشكلة ليست في احترام العلماء أو تقدير المبدعين، بل في تحويل الإنسان إلى مرجعٍ فوق السؤال. هنا تبدأ الوثنية الجديدة؛ حين يصبح الاسم دليلًا، والشهرة حجة، والتصفيق بديلًا عن التفكير. فيتحول السؤال من: ما صحة الفكرة؟ إلى: من قالها؟. وكأن الحقيقة تُولد من أفواه المؤثرين، لا من قوة الدليل.
العقل الحر لا يقدّس الأشخاص، لأنه يدرك أن التفوق لا يمنح العصمة، وأن الذكي قد يخطئ، والمشهور قد يضلل، والجماهير قد تهتف للوهم كما تهتف للحقيقة. لذلك لا يقيس الأفكار ببريق أصحابها، بل بصلابتها أمام النقد والاختبار.
إن أخطر ما تصنعه الوثنية الحديثة أنها لا تكسر العقل بالقوة، بل تخدّره بالراحة. تمنح الإنسان يقينًا سريعًا يعفيه من مشقة التفكير، وتقدّم له شخصًا يصدّق بدلًا منه، فيرتاح من عبء السؤال. وهكذا تتحول الشهادة إلى صنم، والجمهور إلى محراب، والشاشة إلى معبدٍ جديد.
احترام الإنسان فضيلة، أما تعطيل العقل أمامه فعبودية مقنّعة. فالحقيقة أكبر من الهالة، والمنهج أكبر من الشهادة، والدليل أكبر من العاطفة. ومن لم يتعلّم أن يسأل دائمًا: ما الدليل؟
قد يظن أنه حطم الأصنام، بينما هو فقط استبدل الحجر بصورة، والكاهن بمؤثر، والمحراب بشاشة.

اترك رد