منبر العراق الحر :
أَنَا…
لَا أَسْكُنُ بَيْتًا،
أَنَا الَّذِي
يَسْكُنُنِي الرَّحِيلُ…
كُلَّمَا فَتَحْتُ نَافِذَةً
لِيَدْخُلَ الهَوَاءُ،
دَخَلَتْ مَعَهَا
غُرْفَةٌ قَدِيمَةٌ
مِنْ ذَاكِرَتِي…
وَكُلَّمَا أَغْلَقْتُ بَابًا،
سَمِعْتُ خَلْفِي
خُطُوَاتِ الأَمْسِ
تُجَرِّبُ
مَفَاتِيحَهَا القَدِيمَةَ…
لِأَنِّي…
مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ،
لَمْ أُغَادِرْ شَيْئًا
كَمَا يَنْبَغِي…
تَرَكْتُ فِي المُدُنِ
قِطَعًا مِنْ صَوْتِي،
وَفِي الوُجُوهِ
شَيْئًا مِنْ ضَحِكَتِي،
وَفِي الطُّرُقَاتِ
أَحْذِيَةً
تَعِبَتْ مِنَ الِانْتِظَارِ…
وَتَرَكْتُ عَلَى المَقَاعِدِ القَدِيمَةِ
ظِلِّي…
فَكُلَّمَا مَرَّ غَرِيبٌ
شَعَرَ أَنَّ أَحَدًا
كَانَ يَنْتَظِرُ هُنَا…
وَأَنَا…
أَمْشِي خَفِيفًا أَمَامَ النَّاسِ،
بَيْنَمَا فِي دَاخِلِي
مَدِينَةٌ كَامِلَةٌ
تَجُرُّ حَقَائِبَهَا…
وَكُلُّ شَارِعٍ فِيهَا
يُؤَدِّي
إِلَى ذِكْرَى…
أُخْفِي حَنِينِي
فِي جَيْبِ اليَوْمِ،
وَأَقُولُ:
بِخَيْر…
بَيْنَمَا كَانَتْ رُوحِي
كُلَّ لَيْلَةٍ
تَعُودُ سِرًّا
إِلَى الأَمَاكِنِ الَّتِي
غَادَرْتُهَا…
تُرَتِّبُ غُرَفَ الغِيَابِ،
وَتُمَرِّرُ يَدَهَا
عَلَى وُجُوهِ الذِّكْرَيَاتِ،
ثُمَّ تَعُودُ
قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ الحَنِينُ…
وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ…
فَتَحْتُ قَلْبِي،
فَوَجَدْتُهُ مُمْتَلِئًا
بِالنَّوَافِذِ…
وَعَرَفْتُ يَوْمَهَا…
أَنَّ بَعْضَنَا
لَا يَبْحَثُ عَنْ بَيْتٍ…
بَلْ يَبْحَثُ طُولَ العُمْرِ
عَنْ نَفْسِهِ
الَّتِي نَسِيَهَا
فِي مَكَانٍ مَا…
وَرُبَّمَا…
لَا نَعُودُ لِلأَمَاكِنِ أَبَدًا،
لَكِنَّ الأَمَاكِنَ…
تَبْقَى
تَعُودُ إِلَيْنَا.
من ديواني : الشمس تشرق في الغروب.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر