منبر العراق الحر :
عند زيارتي إلى الدنمارك، صادفت في إحدى البلدات الصغيرة مقهى بسيطًا لا يفتح إلا في ساعات الصباح، ويقدم وجبة الإفطار فقط. قبل موعد الافتتاح بقليل، كان عدد من كبار السن من النساء والرجال يجلسون أمامه بانتظار فتح الأبواب، وكأنهم على موعد يومي ثابت مع الحياة.
في أحد الأيام، قررت الدخول إلى المكان لتناول القهوة. وعند فتح الباب، فوجئت بالمشهد: ضحكات دافئة، وأحاديث متداخلة، وحياة تنبض في أجواء الصباح الهادئ. الأكثر لفتًا للانتباه كان الترحيب العفوي من الحاضرين، رغم أنني غريبة عنهم. ابتسمت وجلست على طاولة صغيرة، أراقب المكان بصمت. كان لكل زاوية فيه حياة مختلفة؛ رجلان مسنان يلعبان البليارد، وآلة بيانو في ركن هادئ لمن يرغب بالعزف، وعدد من النساء يجلسن جانبًا وهنّ ينشغلن بالحياكة، وكأن الزمن يمنحهن مساحة من الراحة والسكينة.
على الجدار، لفتت انتباهي لوحة مكتوب عليها:
“نحن جميعًا متساوون.”
شعرت براحة داخلية وأنا أقرأها، وكأن المكان كله يعكس هذه الفكرة دون الحاجة إلى شرح. وبدافع الفضول، طلبت الحديث مع المسؤول عن المقهى بعد انتهائي. جلس معي وأجاب عن أسئلتي برحابة صدر. أوضح أن في الدنمارك توجد العديد من الأماكن المشابهة في مدن مختلفة، مخصصة لكبار السن، وتهدف إلى توفير بيئة اجتماعية وإنسانية لهم بعد التقاعد. كما ذكر أن العاملين في المكان متطوعون، وأن هناك دعمًا نفسيًا وصحيًا متاحًا عند الحاجة، لأن الهدف لا يقتصر على تقديم الطعام، بل على خلق مساحة حياة وتواصل. وحين سألته عن العبارة المكتوبة على الجدار، قال ببساطة:
“نحن جميعًا بشر، بغض النظر عن العرق أو الدين أو المكانة الاجتماعية، والكل له الحق في حياة كريمة ” وأضاف أن النظام هناك يراعي مرحلة التقاعد، بحيث لا تُترك حياة الإنسان فارغة، بل يُشجَّع على الاستمتاع بوقته، والسفر، وقضاء الوقت مع العائلة والأحفاد، والاهتمام بنفسه.
خرجت من المكان وأنا أفكر في فكرة أعمق من مجرد مقهى؛ هناك، يبدو أن الحياة لا تنتهي مع التقاعد، بل تبدأ بشكل مختلف، حيث يصبح الوقت متاحًا للإنسان ليعيش لا ليعمل فقط. شعرت أن قيمة الحياة لا تُقاس فقط بسنوات الإنتاج والعمل، بل أيضًا بكيفية عيشها بعد ذلك، حين يُمنح الإنسان فرصة لاستعادة نفسه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر