منبر العراق الحر :
أتذكَّرُ الآنَ شامي كابور، وقد قرأتُ مرةً أنَّه يسكنُ في مدينةِ مومباي، وكيف عليَّ أن ألتقيَ به. وأعرفُ أنَّ عمرَه الآنَ ثمانونَ عامًا، ولكنَّ التقاطَ صورةٍ معه يُعتَبَرُ حدثًا فريدًا في حياتي، واستعادةً لكلِّ سحرِ تلكَ الذكرياتِ التي كانت فيها أغنياتُ شامي كابور تغريدةَ طيورٍ في أرواحِنا.
فقد لعبتِ الأفلامُ الهنديَّةُ دورًا كبيرًا في إنضاجِ عاطفتِنا منذُ طفولتِنا، وحتَّى وقوفِنا في طوابيرَ ببيريَّاتِنا العسكريَّةِ أمامَ شبَّاكِ قطعِ التذاكرِ في سينما نسيتُ اسمَها في شارعِ الجمهوريَّةِ بكركوك، حيثُ أكملتُ دورةَ صنفِ المخابرةِ في مقرِّ الفرقةِ الثانيةِ في حطِّين، قبلَ أن نُدمِنَ على حضورِ أفلامِ شامي كابور التي كانت تُعرَضُ في دورِ العرضِ في السليمانيَّةِ يومَ نُقِلنا من كركوكَ إلى معسكرِ قلعة چوالان الواقعِ في مدخلِ السليمانيَّةِ من جهةِ كركوك.
لكنَّهُ توفِّي، وعليكَ أن تعبدَ. وربَّما فيلمُ (جانكلي) من أشهرِ أفلامِ شامي كابور الملقَّبِ بـ (إلفيس بريسلي) السينما الهنديَّة. ممَّا كان يلتصقُ بذاكرتِنا الطفوليَّةِ هو وفيلمُ راج كابور (سانجام) وفيلمُ مانوج كومار (الرسالة)، وأفلامٌ أخرى. غيرَ أنَّ رومانسيَّةَ أغاني شامي كابور في أفلامِه شكَّلت نقطةَ تحوُّلٍ عندما جعلت أحلامَنا تبتعدُ إلى مدنٍ بعيدة: من حدائقِ العطرِ في جبالِ الهملايا وكشمير وأكرا حيثُ تاج محل، إلى لوس أنجلوس وباريس وطوكيو.
هذا الممثِّلُ بخفَّةِ دمِهِ ورومانسيَّاتِ أفلامِه جعلَنا نترقَّبُ جديدَ ما يقدِّمُه، ويصلُ تكرارُ دخولِ فيلمِه عندَ بعضِنا إلى عشرِ مرَّاتٍ ولا يَمَلُّ.
وحتَّى في شبابِ السنينَ الأولى في التعليمِ، في مدرسةٍ ابتدائيَّةٍ بقريةِ أمِّ شعثة، أبقيتُ هذا الحنينَ الملوَّنَ بأحلامِ السفرِ والعشقِ الذي يستعيدُ فتوَّةَ الكلامِ وعطرَها يومَ نكتبُ رسائلَه وقتَ سماعِ تلكَ الأغاني وعذوبةِ الموسيقى الهنديَّة، تلكَ التي يصدحُ وترُ لحنِها الآنَ على ضفافِ الأهوارِ حيثُ تعوَّدتُ سماعَ الأغاني القديمةِ لأفلامِ شامي كابور بينَ حينٍ وحين.
يسري صوتُ الممثِّلِ الهنديِّ، وكنَّا نعرفُ أنَّ شامي كابور ليسَ هو مَن يُغنِّي، بل هو يحرِّكُ شفتَيهِ، وأنَّ كلَّ الأغاني التي يؤدِّيها هي بصوتِ مطربٍ هنديٍّ اسمُه محمد رفيع، ولكنَّنا نتخيَّلُه هو مَن يُغنِّي وننسى الحنجرةَ الجميلةَ التي تجلسُ في غرفةِ المكساجِ ولا يراها أحد.
الآنَ والقصبُ يستمعُ إلى صوتِ شامي كابور، وتمرُّ نشوةُ الموسيقى إلى أجفانِ الجواميس، ويصحو شغاتي من نومِ الظهيرةِ ويستحلفُني أن أُبقيَ شامي كابور، فهو يُذكِّرُه بقصصِ جدِّه عن الجنودِ الكركه الذين مرُّوا بزوارقِهم الحربيَّةِ بدوريَّاتٍ يرأسُها ضابطٌ إنجليزيٌّ يسألُ إن كان حارس القصب قد مرَّ هنا، لكنَّ المعدانَ لا يبيعونَ المارَّ والضيفَ والشيخَ ذائعَ الصيتِ، فيردُّون: “حتَّى لو مرَّ من هنا سوفَ لن نخبرَكم”.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر