منبر العراق الحر :في الحارة القديمة، كانت البيوت متلاصقة على نحوٍ يثير الشفقة، كأنها تخاف أن تُترك وحدها في هذا العالم.
جدران متعبة تشققت من الرطوبة والسنوات، نوافذ ضيقة لا يدخلها الضوء إلا بخجل، وأبواب خشبية فقدت قدرتها على الإغلاق الكامل، مثل قلوب الناس تمامًا.
في الطابق الثاني من بيت حجريّ قديم، جلست مريم قرب نافذتها المعتادة.
منذ خمسة عشر عامًا، وهي تجلس في المكان نفسه كل مساء، في الساعة نفسها تقريبًا، حتى صار الكرسي يحفظ هيئة جسدها، وصار الزجاج يعرف ملامح وجهها أكثر مما تعرفها المرآة.
لم تكن تنتظر أحدًا.
على الأقل، هذا ما كانت تقوله لنفسها.
لكن النساء اللواتي اعتدن مراقبتها من الشرفات المجاورة، كنّ يتهامسن دائمًا بأنها ما زالت تنتظر ابنها؛ ذلك الشاب الذي خرج ذات صباح ولم يعد، تاركًا خلفه معطفًا معلقًا قرب الباب وكوب شاي بارد على الطاولة.
في البداية بحثت عنه بجنون.
طرقت أبواب الشرطة والمستشفيات،
سألت الغرباء،
وتعلّمت كيف تتعرف إلى الخيبة من وجوه الناس قبل أن يتكلموا.
ثم تعبت.
ليس لأن الأمومة تتعب،
بل لأن القلب حين يُخذل طويلًا، يتعلّم كيف يصمت كي ينجو.
منذ ذلك اليوم، بدأت تراقب الناس من نافذتها.
الرجل الذي يجرّ قدميه كل مساء كأنه يحمل عمرًا كاملًا فوق ظهره،
الفتاة التي تضحك بصوت عالٍ بينما تمسح دموعها سريعًا عند الزاوية،
العجوز الذي يشتري خبزًا أكثر مما يحتاج لأنه يخشى الوحدة،
والطفل الذي يركض خلف كرة ممزقة بحماس من يطارد حياة كاملة.
كانت ترى ما لا يقوله أحد.
ولهذا احتفظت بدفتر قديم قربها دائمًا.
غلافه الجلديّ متآكل،
وأطراف صفحاته صفراء كأن الزمن مرّ عليها بيدين متعبتين.
في كل ليلة، كانت تكتب ملاحظات قصيرة عن المارّة:
“رجل يتظاهر بالقوة.”
“امرأة تؤجل انهيارها إلى آخر الليل.”
“شاب يضحك كي لا يعترف بخوفه.”
“طفل كبر أسرع من قلبه.”
لم تكن تعتبر نفسها كاتبة.
كانت فقط تخشى أن يختفي البشر دون أن يلحظ أحد مقدار الألم الذي حملوه.
في تلك الليلة، انقطعت الكهرباء فجأة.
غرق الحيّ في ظلام كثيف حتى بدا الشارع كمدينة هجرتها الحياة منذ زمن.
تسللت الريح عبر النوافذ القديمة، فارتجفت الستائر الخفيفة مثل أشباح صغيرة.
أشعلت مريم شمعة.
ارتفع اللهب المرتبك ببطء، ورسم فوق الجدران ظلالًا طويلة بدت كأنها أرواح تبحث عن شيء ضاع منها.
ثم سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
توقفت يدها في الهواء.
الطرقات لم تكن قوية،
بل مترددة…
كأن صاحبها يعتذر عن وجوده.
اقتربت ببطء وفتحت الباب.
كان هناك طفل نحيل، لا يتجاوز العاشرة.
يرتدي قميصًا رماديًا أكبر من جسده،
وحذاءً مغبرًا،
لكن أكثر ما أربكها كان عيناه.
لم تكونا عيني طفل.
كان فيهما تعب رجال عادوا من حروب طويلة.
قال بصوت هادئ:
— أمي قالت إنك تعرفين كيف تُصلحين الوجوه المكسورة.
شعرت مريم بشيء يهبط داخل صدرها ببطء مؤلم.
تراجعت قليلًا وأفسحت له الطريق.
دخل الطفل بصمت، وجلس قرب النافذة، بينما بقي يحدق في لهب الشمعة كأنه يخشى انطفاءه أكثر مما يخشى الظلام نفسه.
ناولها ورقة مطوية بعناية.
فتحتها.
كانت بيضاء تمامًا.
رفعت عينيها نحوه باستغراب.
ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، ثم قال:
— الكلمات تختبئ أحيانًا… مثل الناس.
ارتجفت أصابعها دون أن تدري لماذا.
جلست أمامه وسألته:
— وما الذي كسر وجهك أنت؟
أجاب فورًا، كأن السؤال ظلّ ينتظره عمرًا كاملًا:
— حين يتوقف الناس عن الحب.
في الخارج، مرّت الريح بين الأزقة بصوت يشبه البكاء المكتوم.
أما داخلها، فقد شعرت مريم أن الجملة فتحت بابًا قديمًا صدئًا حاولت إغلاقه سنوات طويلة.
تذكّرت زوجها الذي مات بصمت حتى لا يراها تنهار،
وابنها الذي اختفى دون وداع،
وتذكّرت نفسها…
كيف تحولت بالتدريج إلى امرأة تشاهد الحياة من خلف الزجاج بدل أن تعيشها.
اقتربت من النافذة.
للمرة الأولى منذ سنوات، لم ترَ الحارة فقط.
رأت التعب المعلّق فوق الشرفات،
والوحدة النائمة خلف الأبواب،
والقلوب التي أنهكها التظاهر بأنها بخير.
أدركت فجأة أن البشر لا يموتون من الحزن دفعة واحدة.
بل يموتون ببطء…
كل مرة يضطرون فيها لإخفاء ألمهم كي لا يثقلوا على أحد.
همست دون أن تشعر:
— كل هذا الخراب… لأن أحدًا لم يعد يصغي للآخر.
ظل الطفل ينظر إليها بصمت غريب،
ثم سأل:
— وهل يمكن إصلاح الناس بعد أن ينكسروا؟
كان السؤال بسيطًا،
لكنه بدا أثقل من الليل نفسه.
أغمضت عينيها لحظة.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت أنها لا تريد الهروب من الجواب.
قالت بصوت خافت:
— لا يعودون كما كانوا أبدًا… لكن القلب الذي يجد من يفهمه، يتوقف عن النزيف.
ساد الصمت.
صمت طويل وعميق،
حتى إن مريم استطاعت سماع احتراق الفتيل الصغير داخل الشمعة.
وفجأة، عادت الكهرباء.
امتلأت الغرفة بالضوء دفعة واحدة.
أغمضت مريم عينيها للحظة قصيرة،
وحين فتحتهما…
لم يكن الطفل هناك.
اختفى تمامًا.
لا صوت باب،
لا خطوات،
لا ظل.
فقط الورقة البيضاء فوق الطاولة.
تناولتها ببطء،
وقلبها يرتجف بطريقة لم يعرفها منذ سنوات.
هذه المرة، لم تكن الورقة فارغة.
كان هناك سطر واحد فقط:
“الناس لا يموتون من الوحدة… بل من شعورهم أن لا أحد يراهم.”
جلست مريم طويلًا تحدّق في الجملة.
ثم سحبت دفترها القديم.
تصفحت صفحاته ببطء،
ورأت الوجوه التي سجنتها داخل الكلمات:
الخائف،
المكسور،
الوحيد،
والذين كانوا يضحكون كي يخفوا انهيارهم.
وفجأة، شعرت بالخجل.
لقد كتبت عن أحزان الناس طويلًا…
لكنها لم تكتب يومًا عن نجاتهم.
أغلقت الدفتر للحظة،
ثم فتح الصفحة الأخيرة.
بيد مرتجفة، كتبت اسمها للمرة الأولى.
“مريم.”
حدّقت في الاسم طويلًا،
كأنها تتعرف إلى نفسها بعد غيابٍ كامل.
خارج النافذة، كانت الحارة كما هي:
البيوت نفسها،
العتمة نفسها،
والريح نفسها.
لكن شيئًا واحدًا فقط كان قد تغيّر.
للمرة الأولى منذ خمسة عشر عامًا،
أغلقت مريم النافذة..
وجلست في وسط الغرفة،
كأنها قررت أخيرًا أن تعود إلى الحياة
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر