بغداد بين واشنطن وطهران وتل أبيب: العراق عقدة المصفوفة الرباعية للصراع…الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :…..تحليل استراتيجي…

قراءة في الطبقات العشر للموقع العراقي داخل المصفوفة الرباعية للحرب الإقليمية، وكيف تحولت بغداد من ساحة تتأثر بالصراع إلى عقدة قد تحدد مساره.

⏺️ المقدمة:

“في الحروب الكبرى لا تتحول بعض الدول إلى ساحات فقط، بل إلى عقدٍ يتحدد عندها مسار الصراع… والعراق اليوم يقف في هذه العقدة بالضبط”.

فمع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتداخل الحسابات الإسرائيلية والعربية في مسار الحرب الإقليمية، لم يعد العراق مجرد بلد يتأثر بما يجري حوله. بل أصبح نقطة تماس مركزية داخل معادلة أكثر تعقيدًا، تتقاطع فيها إرادات أربع قوى رئيسية: واشنطن، وطهران، وتل أبيب، والعالم العربي.

وفي الوقت الذي تحاول فيه بغداد تثبيت معادلة دقيقة تقوم على رفض تحويل أراضيها إلى منصة حرب ضد أي طرف، تتصاعد على الأرض ضغوط متعددة: تحذيرات أمنية، هجمات للفصائل المسلحة، توتر سياسي داخلي، وضغوط اقتصادية مرتبطة بالنفط ومسارات التصدير. هذه المفارقة تكشف حقيقة أعمق من مجرد أزمة أمنية عابرة.

فالعراق لم يعد مجرد جزء من الإقليم؛ بل أصبح العقدة الأكثر حساسية في المصفوفة الاستراتيجية للصراع الدائر في الشرق الأوسط. فهو في الوقت نفسه دولة تحاول الحفاظ على حيادها، ومسرح اشتباك محتمل، وعمق نفوذ إيراني، ونقطة تمركز أمريكي، وحلقة في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، وخزان طاقة يتعرض لضغط متزايد في حرب طويلة.

لهذا فإن فهم موقع العراق في هذه اللحظة لا يمكن أن يتم عبر توصيف واحد أو قراءة سطحية. فالدولة العراقية اليوم تعمل داخل طبقات متراكبة من الأدوار والضغوط، تجعلها تقف في موقع فريد: ليست ساحة حرب مفتوحة بالكامل، لكنها ليست أيضًا دولة قادرة بعد على فرض قواعد اللعبة فوق أرضها.

 

⏺️ مفتاح القراءة:

العراق بالتفصيل الدقيق داخل المصفوفة الرباعية ليس “ساحة” فقط، بل خمس دول في دولة واحدة وظيفيًا:

هو في الوقت نفسه دولة تريد الحياد، ومسرح اشتباك، وممر نفوذ إيراني، وعقدة تمركز أمريكي، وحلقة ربط في الحسابات الإسرائيلية، وخزان طاقة مهدَّد. لذلك فإن قراءة العراق يجب أن تكون على شكل طبقات، لا على شكل توصيف واحد. هذا استنتاج تحليلي مبني على تراكب المواقف العراقية الرسمية مع تصاعد هجمات الفصائل والتحذيرات الأمريكية والاختناقات النفطية.

ومن هنا تأتي أهمية قراءة العراق بوصفه مجموعة طبقات استراتيجية تكشف في مجموعها موقعه الحقيقي داخل المصفوفة الرباعية للصراع.

⏺️ الطبقات الاستراتيجية للموقع العراقي

1️⃣ الطبقة الأولى: العراق كدولة تحاول النجاة من التحول إلى قاعدة حرب.

الموقف الرسمي العراقي في الأيام الأخيرة كان واضحًا: محمد شياع السوداني أبلغ طهران أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه منطلقًا للاعتداء على إيران، ووزارة الخارجية العراقية شددت على رفض التصعيد وعلى أن الحرب ليست وسيلة لحل الأزمات، كما شددت رئاسة الوزراء على أن استهداف البعثات والسفارات داخل العراق أمر مرفوض. هذا يعني أن بغداد تحاول تثبيت معادلة شديدة الصعوبة: لا نكون منصة لواشنطن ضد طهران، ولا نكون منصة لطهران ضد واشنطن. لكن مجرد اضطرارها لإعلان هذا التوازن يعني أن الخطر قائم أصلًا.

2️⃣ الطبقة الثانية: العراق كعقدة تمركز أمريكي، وبالتالي كهدف تلقائي.

السفارة الأمريكية في بغداد أصدرت عدة تنبيهات أمنية خلال مارس، بينها إغلاق المنطقة الدولية وتحذيرات من احتمال استهداف أماكن يرتادها أجانب في إقليم كردستان من قبل جماعات موالية لإيران. وفي الوقت نفسه أفادت رويترز اليوم بأن جماعة عراقية موالية لإيران أعلنت إسقاط طائرة تزويد وقود أمريكية في غرب العراق، كما أشارت تقارير أخرى إلى تصاعد هجمات المسيّرات والصواريخ على القوات الأمريكية والبنى المرتبطة بها داخل العراق. هذا يجعل العراق، عمليًا، جزءًا من بنك الأهداف لا مجرد بلد مجاور للحرب.

3️⃣ الطبقة الثالثة: العراق كعمق إيراني… لكن عمق متشقق لا صلب بالكامل.

هذه نقطة بالغة الأهمية. رويترز نشرت في 6 مارس أن كثيرًا من الفصائل العراقية الموالية لإيران لم تكن متحمسة للدخول الكامل في الحرب، وأن السعي إلى المال والنفوذ السياسي، إلى جانب الضربات التي أضعفت محور إيران في ساحات أخرى، جعل المشهد العراقي أقل اندفاعًا مما كان يمكن توقعه. لكن رويترز نفسها عادت اليوم وأشارت إلى أن جزءًا من هذه الشبكة ما زال نشطًا تحت عنوان “المقاومة الإسلامية في العراق”، وأن هجماته تصاعدت على أهداف أمريكية وإسرائيلية وعلى بنى طاقة ودبلوماسية. المعنى هنا أن العراق بالنسبة لطهران ليس جدارًا واحدًا متماسكًا، بل شبكة متفاوتة الانضباط والطاعة.

4️⃣ الطبقة الرابعة: العراق كخاصرة اقتصادية رخوة جدًا في حرب طويلة.

هنا ندخل إلى نقطة قد تكون الأخطر على الدولة العراقية نفسها. وزير النفط العراقي قال اليوم إن البلاد ستبقي إنتاجها عند نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، بعد أن تراجعت إمدادات الجنوب بنحو 70% إلى 1.3 مليون برميل يوميًا بسبب تعطل مسارات التصدير عبر الخليج، مع محاولة تعويض جزئي بالنقل البري عبر تركيا وسوريا والأردن. رويترز أشارت أيضًا إلى أن أكثر من 90% من إيرادات الدولة العراقية وتمويل إنفاقها العام يأتي من النفط. هذا يعني أن العراق، في سردية “الحرب الطويلة”، ليس فقط عرضة أمنيًا، بل قابل للاختناق ماليًا بسرعة. أي حرب إقليمية ممتدة لا تضع بغداد تحت نار الصواريخ فقط، بل تحت نار الرواتب والموازنة والسيولة والدين العام.

5️⃣ الطبقة الخامسة: العراق كمسألة كردية-حدودية قد تنفجر من الشمال لا من الوسط فقط.

التحذيرات الأمريكية في كردستان بشأن الفنادق والأماكن التي يرتادها الأجانب، إلى جانب تقارير رويترز عن مشاورات بين جماعات كردية إيرانية مع الولايات المتحدة حول إمكان مهاجمة القوات الإيرانية في غرب إيران، يكشفان أن شمال العراق ليس خارج اللعبة. لا أقول إن هذا المسار حُسم؛ بل العكس، هو ما يزال شديد الحساسية وغير مؤكد بالكامل. لكن مجرد وجود هذا الاحتمال يعني أن العراق قد يتحول من ساحة “فصائل شيعية/قواعد أمريكية” فقط إلى ساحة ضغط متعددة المحاور: غربًا ووسطًا وشمالًا. وهذا يضاعف العبء على بغداد وأربيل معًا.

6️⃣ الطبقة السادسة: العراق كحلبة صراع على القرار السياسي نفسه.

بالتوازي مع البعد الأمني، هناك بعد سياسي داخلي بالغ الأثر. شبكة 964 نقلت جمع تواقيع برلمانية لإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد، و روداو نقلت مشاهد هتافات معادية لأمريكا من نواب عراقيين، فيما يؤكد السوداني علنًا حماية البعثات ورفض استهدافها. هذا التناقض ليس تفصيلًا؛ بل يعكس أن العراق اليوم ليس فقط ساحة اشتباك خارجي، بل ساحة نزاع على تعريف الدولة نفسها: هل هي دولة قرارها بيد مؤسساتها؟ أم ممر لتوازنات السلاح والشارع والمحاور؟

7️⃣ الطبقة السابعة: كيف تراه واشنطن؟

من منظور واشنطن، العراق ليس حليفًا كاملًا ولا خصمًا كاملًا. هو أرض تموضع ومراقبة وردع في آن واحد. التحذيرات المتكررة من السفارة، الحديث عن تهديدات للفنادق في الإقليم، والقلق الأمريكي من أن تستهدف الجماعات الموالية لإيران منشآت وقواعد داخل العراق، كلها تشير إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى العراق بوصفه خط تماس أمامي في إدارة الحرب مع إيران، حتى لو لم تقل ذلك بهذه العبارة. هذا استنتاج تحليلي مبني على السلوك الأمريكي الأخير أكثر من كونه نصًا معلنًا.

8️⃣ الطبقة الثامنة: كيف تراه طهران؟

طهران ترى العراق بأكثر من عين.

هو أولًا العمق الاستراتيجي الأقرب،

وثانيًا ساحة ردع غير مباشر ضد الوجود الأمريكي،

وثالثًا جسر لوجستي-سياسي ضمن “جبهة واحدة” تحدث عنها خطاب مجتبى خامنئي بحسب التغطيات، مع الإشادة بفصائل العراق ولبنان واليمن.

لكن في الوقت نفسه، طهران تعرف أن العراق ليس ملكًا كاملًا لها؛ لأن جزءًا من الفصائل متردد، والدولة العراقية تحاول ألا تُحرق بالكامل، والمرجعية والنجف والمزاج الشعبي العراقي لا يتطابقان تلقائيًا مع الرؤية الإيرانية. لذلك فالعراق بالنسبة لإيران ورقة حيوية، لكن غير مضمونة بالكامل.

9️⃣ الطبقة التاسعة: كيف تُدرجه تل أبيب؟

تل أبيب لا تنظر إلى العراق كدولة مستقلة عن ملف إيران، بل كجزء من البنية الإقليمية للتهديد الإيراني: منصات، ممرات، فصائل، طائرات مسيرة، ومجال حيوي يمكن أن يمد الحرب أو يوسّعها. الدليل المباشر هنا أن رويترز وصفت الهجمات العراقية الأخيرة بأنها استهدفت مواقع أمريكية وإسرائيلية ضمن تصعيد من حلفاء إيران. وعليه، فالعراق في العقل الإسرائيلي ليس “بلدًا ثالثًا” فقط، بل جبهة متقدمة محتملة في الحرب على الشبكة الإيرانية الإقليمية. هذا استنتاج تحليلي مدعوم بربط الهجمات العراقية الأخيرة بالأهداف الإسرائيلية والأمريكية.

🔟 الطبقة العاشرة: ماذا يعني ذلك كله للعراق كدولة؟

يعني أن العراق يقف اليوم في موقع بالغ الخطورة:

ليس قويًا بما يكفي لفرض حياده بالقوة، وليس بعيدًا جغرافيًا أو سياسيًا عن مراكز النار، وليس متحررًا من نفوذ الفصائل، وليس قادرًا اقتصاديًا على تحمّل حرب طويلة بسهولة بسبب اعتماده الشديد على النفط ومسارات التصدير. هذا ليس توصيفًا أدبيًا؛ بل استنتاج مباشر من اجتماع أربعة عناصر معًا: هشاشة السيادة، وجود أمريكي مستهدف، شبكة فصائل منقسمة لكنها فاعلة، واختناق نفطي-مالي متسارع.

⏺️ الخلاصة الأثقل:

العراق داخل هذه الحرب ليس “ساحة جانبية”، بل مقياس حرارة الحرب نفسها.

إذا بقيت بغداد قادرة على منع تحول أراضيها إلى جبهة مفتوحة، فهذا يعني أن الحرب ما زالت قابلة للضبط. أما إذا انفلت العراق – سواء عبر القواعد، أو الفصائل، أو الإقليم الكردي، أو الاقتصاد النفطي – فذلك يعني أن الحرب انتقلت فعلًا من طور “استهداف إيران” إلى طور إعادة تشكيل الإقليم انطلاقًا من العراق نفسه. هذا استنتاج تحليلي، لكنه قائم على مجمل الوقائع الراهنة لا على فرضية مجردة.

⏺️ الخاتمة:

إذا جمعنا هذه الطبقات معًا، تتضح الصورة أكثر: العراق لم يعد مجرد بلد يتأثر بالحرب الدائرة في المنطقة، بل أصبح أحد المؤشرات التي تُقاس بها درجة تصعيدها أو انحسارها.

فالعراق اليوم يقف في موقع بالغ الحساسية داخل المصفوفة الإقليمية. هو ليس قويًا بما يكفي لفرض حياده بالقوة، لكنه ليس ضعيفًا إلى درجة الانهيار الكامل. وهو ليس بعيدًا جغرافيًا أو سياسيًا عن مراكز النار، لكنه لم يتحول بعد إلى جبهة مفتوحة بالكامل. إنه يقف في تلك المنطقة الرمادية الدقيقة التي تفصل بين الدولة والساحة.

وهذا ما يجعل موقعه أخطر مما يبدو للوهلة الأولى. فالدول لا تتحول إلى ساحات حرب دائمًا عبر الانهيار المفاجئ، بل غالبًا عبر تراكم الضغوط التي تدفعها تدريجيًا إلى إدارة التوازنات بدل ممارسة السيادة. وعندما يستقر هذا النمط طويلًا، تصبح وظيفة الدولة الأساسية منع الانفجار أكثر من القدرة على رسم المسار.

لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم ليس فقط ما إذا كانت الحرب ستصل إلى أراضيه، بل ما إذا كان يستطيع أن يمنع هذه الحرب من إعادة تعريف موقعه في الإقليم. فإذا بقيت بغداد قادرة على إبقاء أراضيها خارج الانفجار الكامل، فإن ذلك يعني أن الحرب ما زالت قابلة للضبط. أما إذا انفلت العراق – سواء عبر القواعد العسكرية أو الفصائل المسلحة أو الاقتصاد النفطي أو المسارات الحدودية – فإن الحرب تكون قد انتقلت بالفعل من مرحلة مواجهة محدودة إلى مرحلة إعادة تشكيل الإقليم انطلاقًا من عقدته الأكثر حساسية.

وهنا تكمن الخلاصة الأثقل:

“العراق في هذه الحرب ليس مجرد ساحة يمكن أن تشتعل،

بل العقدة التي إذا اشتعلت تغيّر مسار الحرب نفسها”.

 

 

اترك رد