دَهْشَةُ الرُّوحِ بَيْنَ الضِّياءِ وَالغِيَابِ….بهيجة البعطوط

منبر العراق الحر :
جَلَسَ العَارِفُ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَحِيدًا.
لَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ أَحَدًاوَلَا يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ.
كَانَ جَسَدُهُ سَاكِنًاوَرُوحُهُ تَتَّسِعُ لِلْكَوْنِ كُلِّهِ.
سَمِعَ هَمْسَ الرِّيحِ وَصَمْتَ الأَرْضِ وَأَنِينَ الغِيَابِ.
فَسَأَلَ نَفْسَهُ:
ترى مَاذَا يَبْقَى حِينَ يَرْحَلُ الصَّوْتُ؟
وَمَاذَا يَفْعَلُ القَلْبُ حِينَ يَلْتَقِي بِالعَدَمِ؟
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ فَشَعَرَ بِرُوحِهِ تَتَفَكَّكُ كَنُورٍ يَتَشَظَّى ثُمَّ تَنْدَمِجُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
صَارَ يَرَى الأَرْوَاحَ بَيْنَ الفَرَحِ وَالحُزْنِ..
بَيْنَ الوِلَادَةِ وَالفَنَاءِ.
كَأَنَّهَا مَوْجٌ يَعُودُ دَوْمًا إِلَى شُطْآنِهِ
قَالَ لَهُ الوُجُودُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
«أَنَا كُلُّ شَيْءٍ… وَأَنَا لَا شَيْءَ.
أَنَا الظُّهُورُ…وَأَنَا الخَفَاءُ.
بِي تَرَى وَبِي تَفْقِدُ وبي تَتَعَلَّمُ الصَّبْرَ.
فَهَمَسَ: وَكَيْفَ أَعْرِفُ نَفْسِي؟
فَجَاءَهُ الجَوَابُ مِنَ الرِّيحِ:
«لَسْتَ فِي المَاضِي وَلَا فِي المُسْتَقْبَلِ.
إِنَّكَ فِي الآَنِ…
حِينَ تَخِفُّ عَنْكَ الأَسْمَاءُ وَتَذُوبُ الفُرُوقُ
وَتَشْعُرُ بِالعَدَمِ سَكِينَةً لَا فَزَعًا.
عِنْدَهَا أَدْرَكَ أَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ إِلَّا عُبُورًا
وَأَنَّ الحُبَّ وَالرَّحْمَةَ وَالجَمَالَ جُسُورٌ خَفِيَّةٌ بَيْنَ الوُجُودِ وَالغِيَابِ.
تَنَهَّدَتِ الأَشْجَارُ وَتَمَايَلَتِ الزُّهُورُ
وَكَأَنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ يَقُولُ:
كُلُّ نَبْضَةٍ فِيكُمْ صَدًى لِنَبْضِي
وَكُلُّ دَمْعَةٍ بَذْرَةُ نُورٍ فِي تُرْبَةِ الغِيَابِ.
فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَعُدْ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ
كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا.
هُنَاكَ…
حَيْثُ لَا فَرْقَ بَيْنَ البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ
وَلَا بَيْنَ العَطَاءِ وَالفَقْدَانِ.
وُلِدَتْ دَهْشَةُ الرُّوحِ دَهْشَةٌ لَا تُرِيدُ فَهْمًا…
بَلْ حُضُورًا.
بقلمي… بهيجة البعطوط تونس 🇹🇳

اترك رد