جغرافيا الضياع وبنية الخطاب النقدي في المجموعة القصصية “جسر الضباب” (پرا مژێ) للاديب : اديب عبدالله. ..د. جوتيار تمر

منبر العراق الحر :تقدم المجموعة القصصية للكاتب أديب عبد الله، الموسومة بـ “جسر الضباب” (پرا مژێ)، نصا سرديا كثيفا مبنيا على وعي لغوي بارز بلهجة “الكورمانجية البادينانية”، لا بوصفها مجرد أداة للتواصل، بل بصفتها حاملا ثقافيا لذاكرة جمعية مثقلة بالقسوة، الفقدان، والانكسارات العميقة في الذات البشرية. إن هذا الاختيار اللغوي لا يمكن فصله عن البنية العميقة للنصوص؛ فاللغة هنا لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يتم استثمارها كـ “موقف معرفي” في مواجهة المركزية، وكسيلة لاستعادة صوت “الهامش” في ظل تاريخ ومجتمع تعرض للإقصاء. يتجلى هذا بوضوح منذ العتبات الأولى للنصوص، حيث يتحول ثقل الذاكرة الشخصية من إطاره الفردي ليصبح عبئا عاما، تمتزج فيه الذات بالعام ضمن نسيج سردي واحد. فاللغة عند الكاتب ليست مجرد أصوات، بل هي أداة “أركيولوجية” للحفر في الجروح المنسية تحت ضباب التاريخ، حيث يصبح “الجسر” رمزا غامضا لعلاقة الإنسان بحقيقته، وتصبح “البادينانية” صوتا للضحايا الضائعين في صمت المجتمع. وهنا تجدر الإشارة إلى براعة الكاتب في دمج “صوت السارد” بمعاناة الأبطال، حيث لا يكون السارد عينا خارجية، بل جزءا من ذلك الضباب الجاثم فوق الجسر، مما يخلق “رمزية ذاتية” عميقة بين النص والتجربة الإنسانية..
تبنى معظم القصص على شخصيات تعيش في “فضاءات هشة”، كالقرى، الهوامش، البيوت المنهارة، أو الأجساد المتألمة. هذه الفضاءات لا تظهر كأماكن جغرافية محايدة، بل كبنى اجتماعية قمعية تعيد إنتاج الاستبداد عبر العائلة، التقاليد، والسلطة الرمزية. من الناحية السوسيولوجية (الاجتماعية)، تكشف النصوص كيف يتحول المجتمع من مأوى إلى مؤسسة للضبط والسيطرة، وكيف يتجسد العنف في الصور اليومية: في الخطاب الأبوي، في الخوف، وفي الصمت القسري. يظهر هذا بجلاء في قصص العلاقات بين الابن والأب أو الأم، حيث يتحول الحب إلى ذاكرة مؤلمة، ويصبح الفقدان جزءا من التكوين النفسي للشخصية، كجرح مفتوح لا يندمل. ويمتد هذا العنف أحيانا نحو “المقدسات المزيفة”، وهو ما يكشفه الكاتب في قصة “حقيقة مخفية”، مبينا كيف يكسر النفاق الاجتماعي والديني روح الإنسان وحريته باسم الأخلاق، بينما ينهار البناء الأخلاقي في الخلوات الخاصة. وقد نجح أديب عبد الله في وصف “الجسد البشري” ببراعة، محولا إياه إلى مرآة للوطن الجريح، حيث يصبح كل عجز فيزيائي أو مرض إشارة إلى خلل في الباطن وفي النظام الاجتماعي، مما يمنح قصصه بعدا جماليا يعرف بـ (جماليات الجسد – Body Poetics)، حيث تنتقل المعاناة من روح الإنسان إلى ملامحه وجسده.
على المستوى النفسي، يدور السرد في مجال يمكن تسميته بـ “اقتصاد الصدمة”، حيث تتكرر صور الموت، القبور، النزيف، والغياب، لا كعناصر تقليدية للحبكة، بل كبؤر لـ “اللاشعور” الذي يتمحور النص حوله. الشخصيات في “جسر الضباب” لا تتطور بشكل خطي مباشر، بل تعيش حالة من الصراع النفسي المستمر، وكأن السرد نفسه مصاب بـ “اضطراب ما بعد الصدمة”. يتضح هذا في تقطع السرد والانتقالات المفاجئة بين الحاضر والذاكرة، مع تكرار الأسئلة الوجودية التي لا تبحث عن إجابات، بقدر ما تعمق الإحساس بالعبثية، كالتساؤل عن معنى الحياة بعد فقدان الأحبة في عالم يعيد إنتاج العنف بصور شتى. وهنا يستخدم الكاتب بذكاء تقنية “النهايات المفتوحة”، حيث يرفض إنهاء القصص بشكل كلاسيكي، تاركا أسئلة معلقة في ذهن القارئ، مما يجعله “شريكا” في بناء معنى النص لا مجرد متلق سلبيا. وفي هذا الإطار، يقترب الكاتب من تقنيات “العبث”، خاصة في تصوير الشخصيات “بلا رؤوس” أو ذات الأشكال الهندسية المشوهة، تعبيرا عن فقدان الهوية وتحول الإنسان إلى “شيء”. كما أن فشل محاولات الانتحار بسبب نقص “الغاز” أو “الوقود” يضفي لونا من “الكوميديا السوداء” على النص، حيث تمتزج عبثية الوجود مع آلام الواقع اليومي.
من منظور “ما بعد الكولونيالية”، تقرأ هذه المجموعة كخطاب “مقاومة صامتة” لا يرفع شعارات مباشرة، بل يعمل على تفكيك البنية العقلية التي أنتجت العنف التاريخي والديني والسياسي. فالسلطة هنا متعددة الوجوه: سلطة الأب، الشيخ، المجتمع، والأيديولوجيا. وفي هذا السياق، تتمايز قصص أديب عبد الله بـ “بناء عالم خاص” (World Building) يمتزج فيه العبث بالواقعية؛ ففي قصة “سجن بلا رؤوس”، يذهب الكاتب نحو فضاء “كافكائي” (Kafkaesque) حيث يتعرض الإنسان لمسخ جسدي ومعرفي. إن هذا الميل لمزج الأسطورة والعبث بالحياة اليومية يمنح نصوصه قوة نقدية تضاهي الأدب العالمي الذي يتناول اغتراب الإنسان. وبذات القوة، تبرز صورة المرأة في قصصه كـ “ضحية أولى” للنظام الاجتماعي، فهي ليست جسدا فحسب، بل رمز للهوية الجريحة التي تعيش تحت ضغط المجتمع الذكوري ووطأة الهموم الثقيلة.
تعتبر “الذاكرة” في هذه المجموعة عنصرا بنيويا لا موضوعا عابرا؛ إنها ذاكرة قلقة، متشظية، ومليئة بالفجوات. لا يحاول السرد ردم تلك الفجوات أو تضميد الجراح، بل يسعى لإظهار التصدعات والكسور، ومن هنا تتكرر تقنية “الاسترجاع غير المكتمل”. إن استخدام عناصر “التواصل الاجتماعي” (سناب شات، فيسبوك) جنبا إلى جنب مع “المقامات والحيرانات الكوردية” في قصة “حديقة الهموم”، يعكس وعي الكاتب بالانقسام الثقافي الذي يعيشه الإنسان الكوردي المعاصر. فالضباب هنا ليس ضباب التاريخ فحسب، بل ضباب التكنولوجيا وفقدان الهوية في عالم الصور “السيلفي” الخالية من الروح. ينتقد الكاتب بعمق الهوية الظاهرية التي تهتم بالصورة على حساب الجوهر الجريح، مما يخلق خطابا نقديا حديثا في القصة الكوردية.
ختاما، يمكن القول إن “جسر الضباب” ليست مجرد مجموعة قصصية تبحث عن أحداث، بل هي بحث في “الآثار” والندوب؛ فهي لا تتناول الكارثة كحدث عابر، بل كبنية مستمرة في الوعي واللغة. لقد نجح أديب عبد الله عبر نصوصه في أن يكون كاتبا “يقظا” يمتلك أسلوبا نقديا متفردا يمتزج فيه الرمز والتقنية لإنتاج دلالات جديدة. هذه المجموعة، إضافة لقيمتها الأدبية، تعد وثيقة معرفية مهمة عن حياة الإنسان الكوردي في عصر الضياع والالتباس، كجسر مهتز بين زمنين غامضين، لا يملك فيه الإنسان سوى “الكلمة” لتسليط الضوء على عتمة الضباب.
نشرت مجلة مه تين في عددها (270) نيسان( 2026) النص باللغة الكوردية.

اترك رد