دماء كوردستان حين يصمت العالم … مهند محمود شوقي

منبر العراق الحر :لم تكن الليلة مختلفة عن غيرها في ذلك البيت الهادئ، حيث كانت عائلة صغيرة تعيش تفاصيلها البسيطة بعيدًا عن ضجيج السياسة والحروب. موسى وزوجته مژده لم يكونا أكثر من أبٍ وأمٍ يحاولان تأمين حياة كريمة لطفلتيهما. لكن في لحظة، وفي عمق الليل، تحوّل ذلك البيت إلى هدف، وتحولت الحياة إلى مأساة.
قصفٌ واحد كان كافيًا لينهي كل شيء. استُشهِد موسى ومژده، وتركَا خلفهما طفلتين بلا حول ولا قوة، تواجهان العالم فجأة بلا دفء العائلة ولا أمان البيت. لم يكونا طرفًا في نزاع، ولم يكن منزلهما موقعًا عسكريًا، بل كانا مجرد مدنيين… وهذا وحده كان كافيًا ليكونا ضحية.
هذه الحادثة ليست استثناءً، بل حلقة في سلسلة طويلة من الاستهداف الذي طال إقليم كوردستان خلال السنوات الماضية، وتصاعد بشكل خطير في الفترة الأخيرة. فالإقليم يتعرض لهجمات متكررة تطال مناطقه المدنية والخدمية، عبر القصف المباشر والطائرات المسيّرة، في نمط بات شبه يومي، لا يفرّق بين مدينة وقرية، ولا بين هدف عسكري ومنزل بسيط.
وقبل عامين فقط، تكررت المأساة بصورة لا تقل فداحة، حين استُهدف منزل رجل الأعمال الكوردي بيشوا دزئيي، ما أدى إلى استشهاده مع ابنته ژينة، دون أي ذنب يُذكر. لم يكن ذلك الهجوم معزولًا، بل شكّل آنذاك صدمة واسعة، ورسالة واضحة بأن المدنيين—بمختلف مواقعهم—قد أصبحوا أهدافًا مفتوحة.
ولعل تكرار هذه الحوادث، من استهداف عائلة موسى ومژده يوم أمس، إلى حادثة بيشوا دزئيي وابنته قبل عامين، وصولًا إلى عشرات الضحايا الآخرين، يؤكد أن ما يحدث ليس خطأً عابرًا أو حادثًا عرضيًا، بل نمطٌ مستمر من الضربات التي تصيب المدنيين بشكل مباشر أو غير مباشر، في ظل غياب أي مساءلة حقيقية.
ما يجعل هذه الهجمات أكثر قسوة هو أنها تصيب الأبرياء في أكثر لحظاتهم ضعفًا: في بيوتهم، وبين عائلاتهم، وفي ساعات يفترض أنها الأكثر أمانًا. لا إنذار، لا مبرر، ولا أي اعتبار لكون الضحايا خارج أي معادلة صراع.
وهنا تفرض الأسئلة نفسها بإلحاح:
إلى متى يستمر هذا الصمت الدولي على ما يحدث في كوردستان؟
وأين دور الحكومة العراقية إزاء هذا الاستهداف المتكرر لمواطنيها؟
وهل أصبحت كوردستان طرفًا في حرب لا علاقة لها بها أصلًا؟
ويبدو أن أحد أسباب هذا الاستهداف هو أن إقليم كوردستان اختار أن يحافظ على قدر من الحياد، وألا ينخرط بشكل كامل في محاور الصراع. لكنه، بدل أن يُحترم هذا الموقف، أصبح هدفًا سهلًا في حسابات القوى التي ترى في غياب الرد فرصة مفتوحة للاستمرار.
لكن المسألة لا تقف عند حدود السياسة، بل تمتد إلى جوهر الأخلاق. كيف يمكن تبرير قتل مدنيين أبرياء؟ وأين هي القيم—الدينية والإنسانية—من استهداف عائلات نائمة في بيوتها؟ إن إرسال طائرات مسيّرة محمّلة بالمتفجرات لتقطع مئات الكيلومترات وتصيب منزلًا مدنيًا، ليس عملًا يمكن تبريره بأي خطاب، بل هو انتهاك صارخ لكل ما يُفترض أن يضبط الحروب.
وإذا كانت بعض الأطراف في العراق ترفع شعارات المظلومية أو الدفاع عن العقيدة، فإن أول اختبار حقيقي لتلك الشعارات هو حماية المدنيين، لا تحويلهم إلى أهداف. فالقيم لا تُقاس بالكلمات، بل بالأفعال—وخاصة في أوقات الشدة.
ورغم فداحة ما يحدث، يبقى الصمت هو المشهد الأكثر حضورًا. صمت عراقي رسمي لا يرقى إلى مستوى المسؤولية، وصمت مجتمعي يكشف تناقضًا مؤلمًا. ففي الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات دفاعًا عن قضايا خارج الحدود، وتُبذل الجهود لدعم أطراف إقليمية، يغيب هذا الصوت حين يكون الضحايا من أبناء كوردستان.
بل إن بعض الأصوات تتجاوز الصمت إلى التبرير أو حتى الفرح بما يحدث، في انحدار أخلاقي خطير، لا يهدد الضحايا وحدهم، بل يهدد فكرة الوطن نفسها. فالوطن لا يقوم على ازدواجية المعايير، ولا على تقسيم الدماء إلى ما يستحق الحزن وما يمكن تجاهله.
قصة موسى ومژده، كما قصة بيشوا دزئيي وابنته ژينة، ليستا مجرد حادثتين عابرتين، بل دليل واضح على واقع يتكرر بلا رادع، وضحايا يُتركون بلا صوت ولا عدالة.
وهذا ما يجعل ما يحدث في كوردستان اليوم أبعد من كونه أحداثًا متفرقة؛ إنه نمط مستمر من الاستهداف، يرافقه صمت يمنحه القدرة على الاستمرار.
الحقيقة المؤلمة أن دماء كوردستان تُهدر، والصمت يحيط بها من كل جانب. وهذا الصمت لم يعد حيادًا، بل تحوّل إلى شراكة غير مباشرة في استمرار الجريمة.
فحين يُقتل الأبرياء في بيوتهم، وتُترك طفلتان وحدهما تحت ثقل الفاجعة، لا تكون المأساة في القصف وحده… بل في كل من يرى ويصمت.
وهنا، لا يعود السؤال: من يقصف؟
بل: من يصمت… ولماذا؟

اترك رد