شكرا على الغياب ــــــــــــ هيثم الأمين

منبر العراق الحر :
أريكتُك الفارغةُ.. تشاهد التّلفازْ
والتّلفاز يبحث عنك في كلّ الغرفة؛
فلا يجدُكِ.. فيكتفي ببثّ أخبار الحربْ!
وأنا.. أشاهدُ وجهي في حزن مرآتكِ؛
مرآتُكِ، أيضا، كانت مثلي.. تنتظرْ!
الكوب الذي تعوّدتِ أن تشربي فيه الشّايْ
رمى بنفسه من أعلى الطّاولةِ
وانكسرْ.
قرون الخرّوب التي تحبّينها
مازالت تتذكّر حكايات أسلافها عن مذاق شفتيكِ
ومازالت تسأل العرّافين
– في ساحات صدري وفي شوارع أصابعي –
عن الطّريق إليكِ
وهذا الصّمت دبقٌ كغيراء صيد الفئرانْ
وأنا و”روب” الحمّام خاصّتكِ
وفرشاة أسنانك وصابونكِ
وأحاديثنا القديمةُ
عالقون فيهِ كما يعلق حاكم عربيّ في كرسيّ الحكمْ…
وحدها السّاعة الجداريّة المعطّلةُ
تُجيدُ حساب سرعة الوقت حين تغيبينْ…
مازلتُ أتقاسم طعامي مع قطّتك التي فقدت شهيّتها؛
قطّتكِ، أبضا، مازالت تبحث عنك في كلّ البيت
وحتّى في بيت الحمّام
ومازالت تموء طويلا،
بجانب وسادتك التي على سريرك،
حتّى يغلبها النّوم.. فتنامْ
بينما أسهرأنا وحزني اللّطيف
بقربها
ونتسلّى بعدّ أصابع البردْ…
في غيابكِ، يصير للبرد أصابع لا يُحصيها العدْ.
مازال اللّيل، من وراء زجاج النّوافذ، يلوّح لي
ويسألني عنكِ…
مازال يسألني عن كلّ هذا المطر الذي يهطل داخلي: من أين يأتي؟
ويسألني: كيف أصنعُ ليكون الزّخام المنبعث من حرائقي
الذي يتجمّع على حيطان قلبي
أسود كما ينبغي لليل شتويّ في مدينة لا تكفّ عن حرق الفحم الحجريْ؟
ومازلتُ أجيبهُ: الغياب إله فاسقٌ، يا صديقي اللّيلْ.
وفي الصّباح، حين لا تأتين مع الشّمس
ولا تأتين مع بائع الحليب ولا مع بائع الخبزْ
تنبت للنّوافذ أضراس تسحق الضّوءْ
وتصير السّتائر مدنا من جياع تلتهم النّورْ
فتقف الشّمس على الرّصيف
أمام البيت
وتنتظر، معي، قدومكِ لتعود الصّباحات إلينا…
فشكرا لغيابك الذي علّمني
كيف أنزف على مدار اليومِ.. ثمّ لا أموتْ!
كدتُ أنسى!
فتافيت السّكّر التي تغار منكِ
صارت تتفاخر، علنا، أنّها أحلى ما في البيت!
هيثم الأمين

اترك رد