مهم/ ذكرى سقوط الدكتاتورية 9/4! الديمقراطية العراقية؛ الإله الذي فشل! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
كنتُ أعتقد أن جملة السياسي والزعيم البريطاني تشرشل: «الديمقراطية أفضل الأنظمة السيئة» هي إحدى نكاته الساخرة، لكن حين عشنا غمار تجربة التحول في العراق من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، ورأينا حجم الخسائر، وانهيار القيم الاجتماعية، ومظاهر الانحطاط السياسي، ومعدلات الفساد غير المسبوقة في التاريخ، ومجمل ما حلّ بالوطن والمواطن خلال عشرين سنة مضت، نستدرك أحقية طروحات بعض المفكرين، ومنهم الفيلسوف والكاتب المسرحي الأيرلندي جورج برنارد شو الذي قال: «الديمقراطية لا تصلح لمجتمع جاهل، لأن أغلبية من الحمير ستحدد مصيرك»، كما حذّر بعضهم من خطر «طغيان الأغلبية»، ناهيك عن الهجوم الشامل والشرس الذي شنه المفكر النمساوي” هانز هيرمان هوبا ” ضدها في كتابه «الديمقراطية.. الإله الذي فشل».
هذه الانتقادات ارتبطت بمجتمعات عاشت ردحًا طويلًا من تجارب الديمقراطية والتقدم الاجتماعي والاقتصادي، والتحول التدريجي الذي استغرق عشرات أو مئات السنين، كما في التجربة البريطانية وغيرها من تجارب الديمقراطية الليبرالية، فكيف يكون الحال مع تجربة تتسلط فيها أحزاب وشخصيات من المستبدين واللصوص والثيوقراطيين، والنازلين من النظام الدكتاتوري القديم بسلالم الطائفية، للإمساك بسلطة تتيح الاستحواذ على النفوذ والمال والسلاح دون موانع أو قوانين رادعة؟ بل حدث ما هو أسوأ وأكثر انتهاكًا للمجتمع، عندما أُسِرَ وأُعيد تحت إرهاب السلاح إلى تقاليد القبيلة وزمن ما قبل الدولة!
الفكرة المترشحة من هذه المقدمة هي أن حياة الشعوب وتحولاتها تخضع لجملة من الظروف الموضوعية والذاتية الناضجة، حيث يتراكم فيها الوعي الاجتماعي كشرط أساسي للتغيير والتقدم والتحول نحو عقد سياسي جديد يُنظّم العلاقة المتشابكة بين مصالح المجتمع، بتنويعات مكوناته وانتماءاته، مع مصالح الدولة وفلسفتها. عندها يكتسب النظام/الدولة صفة العقد الاجتماعي المتوافق، بحسب طروحات المفكر جان جاك روسو، وليس بقرارات قوى دولية أو دولة احتلال تفرض نوع النظام الديمقراطي، أو بدوافع ارتجالية لتغطية فشل سياسي أو مرحلة حكم فاسدة، ومحاولة التخلص الشكلاني من جمود يغلق آفاق التطور والحياة، لمشروع متوقف بعد سنوات من فشل إنبات الديمقراطية في أرض غير صالحة.
إن الدعوات إلى مراجعة الأخطاء وتقديم مشروع مصالحة وتأسيس عقد سياسي جديد، كما يتردد على ألسنة عدد من السياسيين العراقيين وجهات دولية، يشبه إعادة «بناء حمّام جديد بطابوق قديم»، كما يقول المثل الإنجليزي، طالما أنه يعتمد الأدوات والشخصيات السياسية ذاتها المسؤولة عن الفشل والانغلاق وموت العملية السياسية.
إن مشروع تحول المجتمعات نحو النظام الديمقراطي يقترح جملة من العوامل، أبرزها وجود نمط جديد من حداثة التفكير الحر، غير المقيد بسلطة نصوص دينية أو فقهية أو موروثات ساكنة تقيد حرية التفكير، بل يعتمد المبادئ العملية في مشروع الديمقراطية، وأهمها الاقتصاد الحر وعلمانية الدولة التي تفصل سلطة رجال الدين عن السلطات التشريعية والتنفيذية.
إن فشل التجربة الديمقراطية في العراق يعود إلى أن الاحتلال الأمريكي سلّم السلطة لمجموعة أحزاب إسلاموية طائفية، وأخرى قومية وأثنية وليبرالية الطابع، تم تصنيعها في دوائر المخابرات الدولية، وأغلبها لا يؤمن بحداثة التفكير ولا بقواعد التنظيم الداخلي للديمقراطية، بل هي أحزاب منغلقة على مفاهيم أيديولوجية ودينية، وأخرى قبلية، وثالثة غير مؤهلة سياسيًا لتقبّل نظام ديمقراطي مستقل بقوانين قوته الداخلية.
هذا التركيب المشوّه، القائم على فكرة إلغاء المواطنة ووحدة الوطن، انتهى إلى مشروع تقاسم السلطة وفق منهج المحاصصة الحزبية سيئة الصيت، التي استحوذت على سلطاتها أحزاب طائفية وعرقية، استأثرت بالمال والنفوذ والسلطة، وأعادت إنتاج الدكتاتورية على نحو أبشع مما كان في النظام السابق.
لم يتوقف فشل النظام «الديمقراطي» عند هذه الحدود، بل مسخ كل ما له علاقة بالديمقراطية، بعد أن قادت هذه الأحزاب مؤسسات الدولة إلى مستنقعات فساد خيالية وغير مسبوقة، وعملت على تفكيك الدولة وتحويل أصولها إلى ممتلكات شخصية، وبناء دولة عميقة موازية للدولة الشكلية الهشة، وأسست ميليشيات حزبية وعقائدية موازية للجيش النظامي. وغاب القرار السياسي الوطني، بعد أن تجزأت الانتماءات، وأصبح كل قرار يخضع لإرادة قوى ودول خارجية، سواء إيران أم الولايات المتحدة أم غيرهما.
وإذا ما تجاوزنا التوصيف السياسي، فإن الفشل أصبح سمة عامة للخدمات، وتزايدت نسب البطالة، وارتفعت مستويات العجز في ميزانية الدولة، وتدهورت مستويات المعيشة لدى عامة الناس. كما تقلصت الحريات، واتسعت مساحات المنع، حتى صار إسكات الأصوات النقدية والمحتجة ظاهرة تعكس طبيعة سلطة مدنية مختلطة بالبوليسية والميليشياوية دون تمييز واضح.
إن «ديمقراطية» الاحتلال الأمريكي للعراق ينطبق عليها وصف المفكر النمساوي هيرمان هوبا بـ*«الإله الذي فشل»* في إنقاذ العراق من الدكتاتورية، بل أسهم في إدخاله في أزمة كبيرة ومتشعبة ومتراكمة، خصوصًا بعد تسليم مقدراته السياسية والمالية إلى دول الجوار. إنها أزمة تاريخية تمتد إلى جميع مستويات الحياة العراقية، وتؤشر إلى معطيات مستقبلية خطيرة، قد لا يمكن الخلاص منها إلا بتحولات كبرى يخوضها الشعب في دورة حياة جديدة!

اترك رد