قيامة القلب — نشيد النور في جرح الإنسان …بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

ليس القبرُ نهاية الحكاية،
بل عتبةٌ خفيّة
ينكسر عندها الزمن،
وتبدأ الأشياءُ
بأسمائها الحقيقية.

هناك، في عمق الحجر،
حيثُ يثقل الصمتُ كصلاةٍ لم تُسمَع،
وحيثُ يتراجع الرجاءُ
إلى أضيق زوايا القلب،
يظنّ الإنسان أن كل شيءٍ قد انتهى،
وأن الموتَ قال كلمته الأخيرة—
لكن ما لا نراه
أن النهاية نفسها
كانت تنتظر أن تُكشَف.

فالقيامةُ لم تكن حدثًا مضى،
ولا معجزةً تُروى،
بل سرًّا يتكرّر كلما انغلقت فينا الطرق،
ونورًا يولد
من حيث نظن أن الحياة مستحيلة.

لم تأتِ كصوتٍ عالٍ
يعلن انتصارًا،
بل كارتجافةٍ خفيّة
في جسد العتمة،
كأن الله اقترب من التراب
وهمس له برفق:
انهض—
فأنت أوسع من نهايتك.

وفي ذلك الفجر،
لم ينزح الحجر عن القبر فقط،
بل انزاحت طبقات الخوف
عن إنسانٍ
تعلّم أن يختبئ
في ما يكسِره.

انفتح القبر،
لا كفراغٍ بارد،
بل ككشفٍ عميق،
كولادةٍ لم تكن متوقعة،
وخرج النور
لا ليهزم الموت،
بل ليكشف حقيقته:
أن ما كنّا نخشاه
لم يكن سوى حدٍّ ضيّق
ظننّاه الأبد.

يا رب،
كيف تسكن الجرح
حتى يتحوّل إلى باب؟
كيف تضع يدك على الانكسار
فيصير طريقًا
لا هاوية؟

في القيامة،
لم تُرفع حجارة القبور فقط،
بل انكشفت قبورٌ داخلنا—
خوفٌ تعلّم الصمت،
حبٌّ تأجّل
حتى كاد ينسى نفسه،
وإيمانٌ وقف طويلًا على الحافة
ينتظر أن يُنادى باسمه.

وأنت،
لم تخرج وحدك من القبر،
بل حملت معك
كلَّ ما مات فينا
حين صدّقنا
أن النهاية قد حدثت.

لأنك قمت،
لم يعد موتي اسمي،
ولا ضعفي قدري،
ولا سقوطي
قصّتي الأخيرة.

فعلّمنا أن نقوم—
لا من قبورنا فقط،
بل من تلك النسخ التي صدّقناها عن أنفسنا،
من الخوف الذي لبسناه
حتى حسبناه جزءًا منا،
ومن الصمت الذي احتمينا به
فظننّاه نجاة.

علّمنا أن القيامة
ليست خروجًا عابرًا،
بل تحوّلٌ كامل،
أن نصير أصدق من جراحنا،
وأعمق من سقوطنا،
وأن نحتمل النور
حين يكشفنا
ولا يترك لنا ما نختبئ خلفه.

فامنحنا، يا رب،
أن نُشفى بك—
لا من الألم،
بل من خوفنا منه،
ومن فكرة النهاية
التي تسكننا أكثر مما ينبغي،
ومن العيش بنصف قلب
حين خُلقنا للحياة كاملة.

امنحنا أن نقوم
كلما قيل لنا إننا انتهينا،
وأن نقوم
حين يكون الانطفاء أسهل،
وأن نختار الحياة
لا لأنها مضمونة،
بل لأنها تُنادى فينا
من مكانٍ أعمق من الخوف.

وهكذا نمشي،
لا بلا جراح،
بل بجراحٍ مفتوحة على النور،
نكتشف ببطءٍ
أن ما ظننّاه كسرًا
كان بداية انفتاح،
وأن ما حسبناه نهاية
لم يكن سوى بدايةٍ أخرى
لم نكن مستعدين لرؤيتها.

فليست القيامة
أن يزول الحجر عن القبر،
بل أن يتحرّر القلب
من كل ما أقنعه أنه قبره،
وأن يخرج الإنسان
من حدوده الضيقة،
من خوفه،
من تعريفاته القديمة،

ويقف—
لأول
مرةحقًا—
في ضوء الحقيقة،

ليدرك،
لا كفكرة،
بل كاختبارٍ حيّ:

أنه لم يبدأ بعد

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد