منبر العراق الحر :
انتخاب نزار آميدي رئيسًا للجمهورية وضع حدًا زمنيًا لحالة الانفلات الدستوري التي مارستها أحزاب وتيارات الإطار الشيعي، حين قدّمت مصالحها وصراعات أطرافها ورغباتها على الاستحقاق الدستوري ومصالح البلاد.
تعيش هذه الأحزاب أزمةً متكررة في كل دورة انتخابية عند تشكيل الحكومة، أزمة لا تلبث أن تتعمق وتتفرع مع كل استحقاق جديد، حتى غدت سمةً بنيوية في أدائها السياسي، تلك هي دوافع الملك والثروة والنفوذ التي تُسقِط معها أي تقاليد وطنية، وتتجاهل مصالح شعب يرزح تحت ظروف معيشية وأمنية مهدِّدة.
في محاولة مبكرة لاحتواء الانسداد، دعت أحزاب الإطار الكفاءات الشيعية إلى تقديم رؤاها وسيرها الذاتية لشغل موقع رئاسة الوزراء، فتقدّم واحد وأربعون ملفًا من اختصاصات علمية وإدارية متنوعة. ثم اختيرت تسعة أسماء حزبية رُفعت إلى مقام المرجعية، على أمل ترجيح الأكفأ وفك الاشتباك بين السيدين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، لكن المرجعية رفضت بشكل قاطع التدخل في هذا الشأن، لتُعاد تلك الأسماء إلى دائرة التعطيل والإلغاء.
هنا يبرز سؤال مشروع، ماذا عن بقية الأسماء، الواحد والثلاثين؟ لماذا لم تُناقش أو تُعرض للرأي العام، لا سيما وأن من بينها شخصيات متخصصة في الاقتصاد والطاقة، مشهود لها بالكفاءة والنزاهة، ولم تتورط في ملفات فساد أو شبهات تعيق توليها المسؤولية؟ بل إن بعض هذه الأسماء جمع بين الخبرة والنجاح العملي، وحاز احترام الأوساط السياسية والدينية والمجتمعية على حد سواء.
يبدو أن المحور السياسي الذي جمع أطرافًا شيعية وسنية وكردية، ونجح في تمرير انتخاب رئيس الجمهورية، لم يُبدِ اهتمامًا بفتح ملفات المرشحين الواحد والثلاثين، رغم وجود لجنة مختصة بهذا الشأن تضم السادة (عمار الحكيم، عبد السادة الفريجي، عبد الحسين الموسوي، وهمام حمودي). وهو ما يثير تساؤلات جدية حول معايير الاختيار، وحدود الشفافية، ومدى الالتزام بمبدأ تكافؤ الفرص؟؟
إن الظرف الاستثنائي الذي يمر به العراق، بما يحمله من أزمات اقتصادية وإدارية وأمنية خانقة، فضلًا عن تحديات إقليمية ودولية ذات طابع وجودي، يفرض على القوى السياسية، ولا سيما الشيعية منها، أن تعيد النظر في آليات الاختيار، فالمطلوب اليوم ليس مرشح تسوية يرضي موازين القوى، بل رجل دولة يمتلك رؤية إنقاذ، وقدرة على إدارة الدولة بمعايير الكفاءة والنزاهة والاستقلال.
إن الاستمرار في تغليب المصالح الحزبية الضيقة على حساب المصلحة الوطنية لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات، وربما دفع البلاد نحو مزيد من الانكشاف والاضطراب، أما الخروج من هذا المأزق، فيبدأ من الإقرار بأن الدولة لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق المسؤولية، وأن الشرعية الحقيقية لا تُستمد من التوافقات المغلقة، بل من ثقة الشعب وأملِه بدولة عادلة قادرة على تجاوز الأزمات والمحن.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر