منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
في لحظة سياسية شديدة الحساسية، ومع اقتراب استحقاق تشكيل الحكومة الجديدة، لم يعد الصراع داخل الإطار التنسيقي محصوراً في نطاق التفاوض التقليدي أو التفاهمات المغلقة، بل تمدد إلى فضاء أكثر تعقيداً وتأثيراً: فضاء الحرب الإعلامية. لم تعد هذه الحرب مجرد تبادل اتهامات أو مواقف، بل تحوّلت إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي السياسي، وإعادة تعريف المفاهيم، وتفكيك الأعراف التي حكمت مسار العملية السياسية منذ عام 2003، عبر ضغط متراكم يستهدف صناعة الانطباع قبل صناعة القرار.
وفي قلب هذا التحول يقف السيد نوري المالكي، لا بوصفه مرشحاً محتملاً لرئاسة الحكومة فحسب، بل كتمثيل لنمط قيادي تشكّل عبر سنوات، قائم على مركزية القرار ضمن إطار توافقي منضبط، يحترم السياقات السياسية التي أفرزت الحكومات المتعاقبة، ويستند إلى فهم عميق لتوازنات الداخل وتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية.
في السياسة العراقية، لا تُقاس المواقف بميزان ثابت، بل بميزان متحوّل يُعاد ضبطه وفق حجم المكاسب لا وفق ثبات المبادئ. وحين نقترب من مشهد الإطار التنسيقي اليوم، تتكشف أمامنا مفارقة صارخة: القوى نفسها التي كانت تتحدث بالأمس عن “الوزن السياسي” لضمان موقعها داخل معادلة التوافق، باتت اليوم تتحدث عن “الوزن الانتخابي” كأداة للتحلل من تلك القيود ذاتها. غير أن هذا التحول لا يمكن فصله عن توقيته الحرج، إذ لا يأتي في سياق طبيعي لإعادة تعريف القواعد، بل في لحظة ضاغطة تتقاطع فيها التحديات الداخلية مع الحسابات الخارجية.
*أولاً: ازدواجية “الوزن السياسي” و”الوزن الانتخابي”*
لم تعد هذه الازدواجية مجرد تناقض عابر في سلوك بعض القوى، بل تحوّلت إلى سمة بنيوية تحكم اشتغال النظام السياسي العراقي ذاته. فالقوى التي تجد نفسها في موقع محدود من حيث التمثيل العددي، تميل إلى التمسك بمفهوم “الوزن السياسي”، وتستدعي منظومة من المفاهيم البراغماتية مثل التوافق، والشرعية، والتاريخ النضالي، بوصفها أدوات لضمان الحضور داخل معادلة القرار. لكن ما إن يتسع حضورها الانتخابي، حتى تعيد تموضعها سريعاً، لتتبنى خطاب “الوزن الانتخابي”، مستندة إلى لغة الأرقام، والاستحقاق، ومنطق الأغلبية.
هذه التحولات لا يمكن اختزالها في إطار النفاق السياسي، بقدر ما تعكس آلية تكيف عميقة داخل نظام لم يُحسم يوماً لمنطق الأغلبية الصريحة، ولم يستقر كذلك على نموذج توافقي مكتمل. إنه نظام هجين، تُدار فيه السلطة بين حدّين غير مكتملين: لا أغلبية قادرة على الحسم، ولا توافق قادر على الاستقرار.
في هذا السياق، لا تبقى القواعد ثابتة، بل تُعاد صياغتها وفق موقع كل طرف في ميزان القوة. وبذلك تتحول المفاهيم من أدوات تنظيم للعمل السياسي إلى أدوات صراع، تُستخدم مرحلياً وتُستبدل عند تغيّر المواقع، ما يعكس خللاً بنيوياً في طبيعة النظام نفسه.
*ثانياً: من النقد إلى الاستهداف المنهجي*
ما يجري اليوم يتجاوز كونه نقداً سياسياً أو اختلافاً في وجهات النظر؛ نحن أمام تصعيد إعلامي منظم يستهدف تقليص حضور نوري المالكي داخل المعادلة، لكن ليس عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال إعادة تشكيل صورته الذهنية. يتم ذلك عبر توصيفه كـ “معطّل”، وتحميله مسؤولية التأجيلات، وتصوير تمسكه بالترشيح كخروج عن التوافق. هذا التحول في الخطاب لم يكن عفوياً، بل يعكس سعياً واعياً لنقل الصراع من ميدان التوازنات السياسية إلى ميدان التأثير النفسي والإعلامي، حيث يمكن التأثير على الحلفاء قبل الخصوم.
وفي هذا السياق، يبرز نمط إدارة الصراع عبر وكلاء، يتمثل بشخصيات إعلامية وسياسية تتحرك بسقف نقدي مرتفع يصل إلى حدود التسقيط، في مشهد يوحي بوجود تنسيق غير مباشر بين أطراف متعددة تتقاطع مصالحها عند هدف مشترك. ومع ذلك، فإن هذه الحرب الإعلامية لا تمثل غاية بحد ذاتها، بل أداة ضمن مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل مركز القوة داخل الإطار التنسيقي، من خلال إضعاف الرموز التقليدية، وتعزيز نماذج قيادية بديلة، وفرض قواعد جديدة لإنتاج القرار.
وهذا ما يجعل الصراع الراهن يتجاوز الأسماء إلى مستوى أعمق، يتمثل في التنافس على هوية الإطار ذاته. غير أن هذا المسار، إذا استمر، يحمل مخاطر حقيقية، إذ قد يقود إلى تشظي داخلي يضعف تماسك الإطار، ويفتح المجال أمام أطراف خارجية للاستفادة من هذا التصدع وإعادة توجيه موازين القوة بما يخدم مصالحها.
*ثالثاً: الترويج لمفاهيم مغلوطة*
أخطر ما في هذه الحملات الاعلامية ليس الاستهداف الشخصي والتسقيط السياسي، بل إعادة إنتاج مفاهيم سياسية مغلوطة، من أبرزها: أن رئاسة الوزراء تُحسم بالأغلبية العددية فقط، وأن من حق أي جناح فرض مرشحه دون المرور بالتوافقات السياسية، وأن التأجيل يعني التعطيل، لا التفاوض. هذه الطروحات تتجاهل حقيقة أساسية هي: ان الإطار التنسيقي لم يُبنَ على منطق الغلبة العددية، بل على منطق التوازنات السياسية، وأن تشكيل الحكومات داخله كان دائماً نتاج: تفاهمات مركبة، ومراعاة لحساسيات داخلية، وضبط إيقاع يمنع الانقسام.
منذ عام 2005، تشكّلت داخل البيت الشيعي أعراف غير مكتوبة لإدارة السلطة، أهمها: عدم فرض مرشح خلافي، والسعي إلى مرشح يحظى بقبول داخلي وخارجي، وتجنب كسر التوازن داخل المكونات. أما ما يحدث اليوم هو محاولة واضحة لـ: تجاوز هذه الأعراف تحت ضغط إعلامي وسياسي، وذلك عبر تصوير الالتزام بها كضعف، والتخلي عنها كـحسم، وهذا غير صحيح.
رابعاً: انقسام الإطار… وحسم معلق
يُطرح مبدأ “الثلثين” داخل الإطار التنسيقي كعتبة للتوافق على المرشح لرئاسة الوزراء، تُترجم عددياً بمعادلة (8 مقابل 4)، وهي معادلة تبدو منضبطة حسابياً، لكنها لا تعكس بالضرورة الواقع السياسي. فداخل الإطار، لا تتساوى الأوزان بين القادة، إذ تمتلك بعض الأطراف قدرة تعطيل تتجاوز حجمها العددي، ما يجعل الأغلبية الرقمية غير كافية ما لم تتحول إلى إجماع قابل للتنفيذ.
في هذا السياق، تمثل جبهة السبعة التي تبلورت حول تبنّي مرشح ثابت مثل “باسم البدري” محاولة لتثبيت القرار، وإظهار تماسك الإطار، وتوجيه رسالة بأن الحسم قد تحقق. غير أن التساؤل يبقى قائماً حول طبيعة هذا التماسك: هل هو صلب أم تكتيكي؟ خصوصاً أن التجربة داخل الإطار أثبتت أن بعض التحالفات تبقى متماسكة حتى لحظة الحسم، ثم تعيد تموضعها وفقاً للظروف.
أما جبهة الخمسة، فلا يمكن توصيف سلوكها إلا بوصفه عبثاً سياسياً واضحاً.. فالانتقال من محمد شياع السوداني إلى إحسان العوادي، ثم طرح حيدر العبادي، لا يعكس رؤية سياسية متماسكة، بل يكشف عن ارتباك في القرار، وغياب مرشح حاسم. وفي الوقت ذاته، يظهر هذا السلوك كأداة لتعطيل تثبيت مرشح الطرف الآخر، دون القدرة على تقديم بديل حقيقي، وهو ما يعمّق حالة الانسداد بدل معالجتها.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر