منبر العراق الحر :
لم يكن الإرهاق عند سليم تعبًا…
كان تأخيرًا.
تأخيرًا بسيطًا في كل شيء:
في فهم الكلمات،
في تمييز الوجوه،
في إدراك أنه… يتلاشى.
اثنتان وسبعون ساعة بلا نوم،
وكان العالم يسبقه بخطوة.
في الطوارئ، كل شيء يحدث بسرعة—
إلا داخله.
الصوت يصل متأخرًا،
الصورة تتشكل متأخرة،
حتى الألم… لم يعد في وقته الصحيح.
“دكتور، الحالة جاهزة.”
هزّ رأسه،
لكن جسده احتاج ثانية إضافية… ليتبع الأمر.
دخل الغرفة.
رجل على السرير،
أجهزة، أسلاك، ضوء أبيض يفضح كل شيء.
اقترب… ثم توقّف.
ليس لأن الوجه مألوف،
بل لأن شعورًا أقدم من الذاكرة أمسكه—
كأن هذا المشهد… متأخر.
“الاسم؟”
“غير معروف.”
ابتسم ابتسامة باهتة.
حتى الأسماء… تأخرت هذه المرة.
بدأ الإنعاش.
“واحد… اثنان… ثلاثة…”
لكن العدّ كان يسبقه.
كل رقم يقوله… يأتي بعد أن يحدث.
يداه تتحركان،
لكنه يشعر أنه يراقبهما فقط.
أنت متأخر.
“أدرينالين!”
“لا استجابة!”
أنت دائمًا تصل متأخرًا.
نظر إلى وجه المريض.
لم يكن انعكاسًا،
بل توقيتًا خاطئًا.
هذا الوجه…
ينتمي له،
لكن خارج زمنه.
فجأة—
رأى نفسه.
هو هنا… يضغط على الصدر،
وهو هناك…
ممدد،
ينتظر.
اختلّ كل شيء.
“دكتور؟!”
عاد للحركة،
لكن الحقيقة سبقته.
“توقف.”
لم تكن قرارًا—
بل نتيجة وصلت أخيرًا.
سكتت الأجهزة.
وانتهى كل شيء…
قبل أن يفهمه.
خرج.
الممر أطول مما يجب،
أو ربما… هو يسير متأخرًا داخله.
دخل غرفة الأطباء.
المرآة أمامه.
رفع رأسه.
انعكاسه… تأخر.
ثم… لم يأتِ.
المرآة لم تُظهره.
بل أظهرت الطوارئ:
نفس السرير،
نفس الجسد،
نفس النهاية.
ركض.
فتح الباب.
المشهد كما هو.
“فقدناه.”
هذه المرة…
وصلت الجملة في وقتها.
اقترب.
نظر.
لم يحتج أن ينهار—
حين يتأخر كل شيء،
تصبح الحقيقة الشيء الوحيد الذي يصل في موعده.
“أنا هنا.”
قالها.
لكن صوته…
لم يصل.
مدّ يده—
ولم تصل.
فهم.
لم يكن ينقذ مريضًا،
كان يحاول اللحاق بنفسه.
لكن الإرهاق…
كان أسرع.
في التقرير الطبي، كُتب:
“وفاة طبيب مناوب نتيجة إجهاد حاد ونقص شديد في النوم.”
جملة دقيقة.
باردة.
كافية.
لكنها لم تقل—
أن سليم لم يمت فجأة،
بل تأخر…
حتى وصل إلى موته بعد فوات الأوان.
وأن أخطر ما في السهر…
ليس أنه يسلبك النوم،
بل أنه يسلبك التوقيت…
حتى تصبح آخر من يعلم
أنك انتهيت
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر