منبر العراق الحر :
لا يمكن لهندسة الخراب أن تنتج عماراً، ومن غير المنطقي أن ننتظر من العقل الذي شيد جدران المأزق أن يرسم مخارج النجاة. نحن اليوم نعيش مرحلة “الاجترار” التاريخي، حيث تتحول الأزمات إلى دوائر مفرغة، يركض فيها المجتمع لاهثاً خلف سراب الإصلاح، بينما الحقيقة الصادمة هي أن الأدوات المستخدمة هي ذاتها التي أنتجت الكارثة. إن استعارة الحلول ممن يملك مصلحة في استمرار المشكلة هي مغالطة وجودية تجعلنا نراوح في أماكننا، ونعيد تدوير الوجوه والسياسات تحت مسميات براقة، بينما الجوهر يزداد تعفناً.
إن ما يشهده الواقع ليس مجرد صراع سياسي على السلطة، بل هو انحلال قيمي شامل وصل إلى مرحلة “القتل الأبيض”. فمن خلال تجفيف منابع الوعي، وتدمير البيئة الحيوية، وتصحير الأراضي، وتحويل التعليم إلى ركام، يتم اغتيال المستقبل دون الحاجة إلى رصاصة واحدة. هذا النوع من الإبادة الهادئة يعتمد على تحويل الفساد من فعل مخجل إلى “شرط بقاء”، حتى أصبح النقاء في هذا الوسط شذوذاً يُحارب، والنزاهة عبئاً يطرد صاحبه من دائرة التأثير. لقد نجح “نظام القبح” في جعل المجتمع يتوجس من الأصحاء، ويفضل عليهم أولئك الذين يرتدون أقنعة الولاءات العابرة للحدود.
إن التحرر الحقيقي لا يبدأ من صناديق الاقتراع التي تتحكم بها قوى المال والسلاح، بل يبدأ من “التحرر الداخلي” للإنسان. فما جدوى امتلاك أعقد التكنولوجيات إذا كان العقل المشغل لها مكبلاً بعقدة التبعية؟ الأغلال التي تسكن العقول هي الأكثر قسوة واستمرارية، لأنها تجعل الضحية يتماهى مع جلاده، ويعيد إنتاج القسوة والفساد بمجرد أن تتاح له الفرصة. إننا نعيش في بيئة تطرد الكفاءات الاستثنائية؛ فلو ظهر بيننا اليوم مفكر اقتصادي فذ كأولئك الذين أنقذوا دولاً من إفلاسها، لوجد نفسه منبوذاً أو ملقى به في سلال المهملات، لأن المنظومة الحالية مصممة لاستنساخ أشباهها فقط، ولا تقبل أي عنصر غريب قد يفسد عليها حفلة التفسخ الجماعي.
إن مشروع بناء الدولة لن ينطلق طالما بقيت الولاءات موزعة كحصص غنائم بين أطراف إقليمية، وطالما ظل “الانتماء” كلمة تُقال في المحافل وتُذبح على مذابح الأجندات الخارجية. الحل يكمن في الانصهار الكامل داخل مصلحة الوطن العليا، والانسلاخ التام من كل قيد يربط مصير البلاد بقرارات تأتي من خلف الحدود. إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سياسة؛ فإما أن نستعيد آدميتنا وقدرتنا على التفكير الحر، أو نستمر في كوننا وقوداً لمحرفة كبرى لا ترحم، حيث تلتهم النيران كل شيء، ولا تترك وراءها سوى الرماد وضياع الوقت في انتظار معجزة لن تأتي من عقول هي أصلاً أصل الداء.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر