الزهور لا تُكتب على القبور ….بقلم رانية مرجية

منبر العراق الحر :

هناك خطأ إنساني يتكرر بصمتٍ أنيق، حتى صار يبدو فضيلة: أن نتقن الاعتراف حين يفقد قيمته، وأن نجيد المديح حين يصبح بلا أثر، وأن نمنح الناس كلماتنا الدافئة بعد أن يغادروا مجال سماعها.

كأننا نحتاج إلى الغياب كي نصبح صادقين، وإلى الموت كي نتذكّر كيف نرى.

لكن أيّ صدقٍ هذا الذي يأتي متأخرًا عن زمنه؟ وأيّ وفاءٍ هذا الذي لا يجرؤ على مواجهة الحياة؟

الغياب ليس مساحة للاعتراف
حين يغيب الإنسان، تتغيّر اللغة. تصير أكثر ليونة، أقلّ مقاومة، كأنها تتحرّر من ثقل الفعل. نبدأ بسرد محاسنه، نرتّب صفاته، نُتقن رسم صورته كما لو أننا كنا نراه دائمًا بهذه الصفاء.

لكن الحقيقة أكثر قسوة:
نحن لا نكتشفه بعد رحيله، بل نكتشف تقصيرنا في رؤيته حين كان حاضرًا.

المديح بعد الغياب لا يغيّر شيئًا في حياة الغائب، لكنه يخفّف شيئًا في ذاكرة الأحياء.

قيمة الإنسان لا تُؤرشف بعد موته
هناك وهم خفيّ نعيشه دون أن نعلنه: أن الإنسان يُفهم بالكامل عند نهايته، وأن الموت هو اللحظة التي تُصحَّح فيها رؤيتنا له.

لكن الإنسان لا يُقاس عند إغلاق ملفه، بل عند فتحه كل يوم.
لا يُقاس بما نقوله عنه حين يغيب، بل بما نمنحه له حين يكون قادرًا على تلقي ما نقول.

التأبين المتأخر لا يُكرّم الإنسان، بل يُجمّل عجزنا عن التقدير في وقته.

التأجيل: شكل راقٍ من الفقد
لسنا قساة بالضرورة، نحن فقط مؤجّلون. نؤجّل كلمة الشكر، نؤجّل الاعتراف، نؤجّل أن نقول “أنت مهم”.

لكن الزمن لا يحفظ التأجيل كنية طيبة.
كل ما لا يُقال في لحظته يتحوّل إلى نسخة باردة من نفسه، ثم إلى صمت، ثم إلى غياب.

وهكذا، لا يفاجئنا الفقد بقدر ما يفاجئنا أننا لم نكن حاضرين بما يكفي قبل أن يحدث.

الإنسان لا يحتاج تماثيل بل حضورًا
ليست الحاجة أن نُتقن رثاء الناس، بل أن نُتقن رؤيتهم وهم أحياء.
ليست الحاجة أن نرفعهم على الكلمات بعد رحيلهم، بل أن نمنحهم وزنهم الحقيقي وهم يسيرون بيننا.

الإنسان لا ينتظر خطابًا بعد موته، بل نظرة صدق في حياته.
لا ينتظر تأبينًا، بل اعترافًا لا يخاف من الوقت.

حين تصبح الكلمات شواهد
الزهور التي تُوضع على القبور جميلة، لكنها تحمل اعترافًا ضمنيًا متأخرًا:
أننا عرفنا القيمة حين لم يعد لها مكان سوى الذاكرة.

لكن ما الفائدة من ذاكرة لا تُصلح حاضرًا؟

الحياة لا تطلب منا الكثير، فقط أن لا نؤجّل إنسانية اعترافنا، أن لا نترك الكلمات لتصبح شواهد.

لأن الكلمة التي لا تُقال في وقتها، لا تموت فقط…
بل تفقد معناها قبل أن تُكتب

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد