العراق بين معادلة “الدولة واللا دولة” واشتراطات الانتقال التاريخي ….الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

1️⃣ الملخص التنفيذي

يمر العراق بمنعطف تاريخي حاسم يتجاوز مفهوم التغيير الحكومي التقليدي إلى محاولة إعادة ضبط (Reset) شاملة للنظام السياسي القائم منذ 2003. تتلخص هذه المرحلة بالانتقال من “منطق إدارة التوازنات المؤقتة وسياسات الترضية” إلى مشروع بناء “دولة المصلحة والاستقرار المؤسسي”. يعتمد هذا التوجه على نهج براغماتي (يوصف سياسياً بـ “النكهة الترامبية”) يقوم على صياغة علاقات استراتيجية محورها الاستثمار، الطاقة، ولغة الأرقام.

2️⃣ المحاور الهيكلية للتحول الاستراتيجي

أولاً: تفكيك “النكهة الترامبية” والواقعية السياسية

◾️موت الشعارات: استبدال الأيديولوجيات السياسية بلغة المصالح الاقتصادية المباشرة والمشاريع العابرة للحدود.

◾️شراء الاستقرار الجيوسياسي: تسويق العراق كساحة استثمارية آمنة وجاذبة للشركات الغربية والإقليمية، لربط أمن البلاد بمصالح دولية حيوية.

◾️استقلال الطاقة: السعي الحثيث لتحقيق الاكتفاء الذاتي في ملف الغاز والكهرباء لتقليص الضغوط الإقليمية المفروضة على بغداد.

ثانياً: معركة الامتثال المالي والسيادة المصرفية

تمثل هذه الجبهة العصب الحقيقي للصراع، حيث تهدف الخطوات الحالية إلى تجفيف منابع اقتصاد “اللا دولة” عبر:

◾️منصة التدقيق الإلكتروني: إخاطة حركة الدولار بمعايير الامتثال الصارمة لـ “البنك الفيدرالي الأمريكي”، مما حدّ من تهريب العملة وغسيل الأموال.

◾️تنويع سلة العملات: تقليل الاعتماد الأحادي على الدولار في التجارة البينية عبر اعتماد (اليوان، الدرهم، واليورو).

◾️إعادة هيكلة القطاع المصرفي: عزل “المصارف الواجهة” التابعة لجهات سياسية، والتوجه نحو أتمتة المصارف الحكومية الكبرى (الرافدين، الرشيد، TBI).

ثالثاً: الدبلوماسية الاقتصادية وهندسة التوازنات

تحولت الدبلوماسية العراقية من دور “الوسيط” إلى دور “الشريك الاستراتيجي العضوي” من خلال:

◾️مشروع “طريق التنمية”: ربط الخليج بأوروبا عبر العراق وتركيا، وتحويل البلاد إلى ممر تجاري دولي يُلزم القوى الإقليمية بحماية استقراره.

◾️الإنفتاح على العمق العربي: تفعيل مشاريع الربط الكهربائي والاستثماري مع دول الخليج والأردن لكسر العزلة التاريخية.

◾️إعادة صياغة العلاقة مع التحالف الدولي: الانتقال المنظم من الوجود العسكري المباشر إلى شراكات أمنية وثنائية مستدامة.

3️⃣ خارطة المواقف والتوازنات الحرجة

     (حقل الألغام الميداني)

يقف مشروع الانتقال نحو “الدولة” في مواجهة مباشرة مع بنية معقدة من التحديات الهيكلية والمواقف الميدانية المناهضة، والتي يمكن تصنيفها إلى مسارين:

أولاً: بيئة الكوابح والتحديات الهيكلية

◾️الفخ الريعي المهدد للاستقرار: ارتهان موازنة الدولة بنسبة تتجاوز 90% لعوائد النفط، مما يجعل المشروع الاستراتيجي بأكمله عرضة للانهيار الفوري عند أي تقلب حاد في أسواق الطاقة العالمية.

◾️النزيف التشغيلي المالي: الترهل الوظيفي الحاد وتضخم فاتورة الرواتب يبتلعان الفائض المالي، مما يقلص الهامش المخصص للمشاريع الاستثمارية الكبرى (مثل طريق التنمية).

◾️مقاومة أتمتة الاقتصاد: مواجهة المنظومة المصرفية الجديدة بمقاومة صامتة من شبكات المصالح غير الرسمية التي تعتاش على اقتصاد “الكاش” والتهرب المالي.

ثانياً: التكيف الديناميكي للفصائل المسلحة (المحور الأخطر)

لا تتعامل الفصائل المسلحة مع هذا التحول برفض مطلق، بل عبر استراتيجية “الهندسة الهجينة” التي تضمن بقاءها من خلال ثلاثة مستويات:

1. التحول إلى كارتيلات اقتصادية: انخراط الأجنحة السياسية للفصائل في قلب الدولة لإعادة توجيه عقود الاستثمار والموازنات الانفجارية نحو شركات واجهة تابعة لها (مثل شركة المهندس العامة)، مما يعني شرعنة نفوذها بغطاء اقتصادي.

2. المهادنة المشروطة (شراء الوقت): قبول الانفتاح الدبلوماسي والمصرفي الحالي بشرط عدم المساس بالبنية العسكرية الموازية للحشد الشعبي، أو محاولة تفكيك منظومة السلاح المنفلت.

3. الارتداد العسكري الاحتياطي: الاحتفاظ بورقة “المسيرات والصواريخ” واستخدامها لضرب معادلة الاستقرار عند شعورها بتهديد وجودي، أو كأداة ضغط إقليمية تطيح بـ “سمعة البيئة الاستثمارية الآمنة” التي تحاول بغداد تسويقها.

4️⃣ سيناريوهات استشراف المستقبل

يقف العراق أمام مسارين مستقبليين تحدد معالمهما ثلاثة عوامل: عامل الوقت، ثبات أسعار النفط، ونتائج صناديق الاقتراع.

السيناريو الأول: “دولة رأس المال الحذر” (الأرجح واقعياً)

◾️المضمون: نجاح الدولة في ترويض الفصائل وتحويلها إلى شريك اقتصادي مستفيد من الاستقرار.

◾️النتيجة: ولادة نموذج حكم شبيه ببعض تجارب المنطقة؛ نهضة عمرانية واقتصادية كبرى، يقابلها قرار مركزي صارم وانكماش نسبي في الهامش الديمقراطي. الشارع يقبل بهذه المقايضة (الأمن والإعمار مقابل الاستقرار السياسي).

السيناريو الثاني: “الارتداد العنيف للسيستم” (الانتكاسة)

◾️المضمون: حدوث صدام مباشر يستفز العمق الإقليمي للفصائل، أو عجز الحكومة عن تلبية طموحات الشارع نتيجة هبوط حاد في أسعار النفط العالمية.

◾️النتيجة: تحرك قوى “اللا دولة” لضرب المنشآت الحيوية ومشاريع الطاقة لإثبات عدم أمان بغداد، مما يعيد البلاد إلى مربع الفوضى وتفكك المنظومة.

5️⃣ التوصيات الاستراتيجية الحاسمة

1. تحويل شرعية الإنجاز إلى واقع ملموس: يجب ترجمة أرقام الاستثمار سريعاً إلى وظائف حقيقية للكتلة الديمغرافية الشابة (دون سن 25) لتأمين غطاء شعبي يحمي الدولة من أي ارتداد سياسي.

2. تسريع فك الارتباط بالريع النفطي: استثمار الطفرة المالية الحالية لبناء قطاعات إنتاجية موازية (صناعة، زراعة، ترانزيت) قبل أي هبوط مفاجئ في أسواق الطاقة.

3. حسم هوية السلاح عبر بوابة المال: استغلال أدوات الامتثال المصرفي لتقييد التدفقات المالية غير القانونية، وإجبار القوى الموازية على الانضياع التدريجي لقوانين الدولة ومؤسساتها الرسمية.

اترك رد