منبر العراق الحر :
المسيّرات العابرة للحدود واختبار حكومة الزيدي بين الخليج والحرس الثوري
المقدمة:
لم تعد المسيّرات العابرة للحدود مجرد حوادث أمنية متفرقة يمكن احتواؤها بالبيانات الرسمية أو النفي السياسي، بل تحولت إلى مؤشر على تبدّل أخطر في وظيفة الجغرافيا العراقية نفسها. فحين تتكرر عمليات إطلاق المسيّرات من الأراضي العراقية باتجاه السعودية والكويت والإمارات، وحين تتحدث تقارير دولية كبرى عن ردود خليجية داخل العمق العراقي، فإن المنطقة لا تكون أمام “حادث أمني”، بل أمام إعادة رسم هادئة وخطيرة لقواعد الاشتباك الإقليمي.
الخطر الحقيقي لم يعد في المسيّرة ذاتها، بل في المعنى الذي تحمله:
هناك من يريد تثبيت العراق كمنصة ضغط ورسائل ضمن الصراع الإيراني–الأميركي، بحيث يتحول الخليج تدريجيًا إلى جزء من جغرافيا الردع المتبادل، لا مجرد حليف بعيد عن ساحة النار.
العراق داخل “بنية الردع الإيرانية المتقدمة”
تدرك الولايات المتحدة أن إيران لا تبني ردعها داخل حدودها فقط، بل عبر شبكة ساحات متقدمة:
العراق،
سوريا،
لبنان،
اليمن،
والممرات البحرية.
وهذا ما يمكن تسميته:
“بنية الردع الإيرانية المتقدمة”
أي أن أي ضغط على طهران لا يبقى داخل الجغرافيا الإيرانية، بل يتحول إلى توتر موزع على الإقليم كله.
وفي هذا السياق، تبدو بعض الفصائل الولائية في العراق وكأنها لا تتحرك فقط بمنطق “المقاومة المحلية”، بل بوصفها جزءًا من منظومة ردع إقليمية مرتبطة بالحرس الثوري، تُستخدم لرفع كلفة الضغط على إيران عبر تهديد:
القواعد الأميركية،
الممرات،
وحلفاء واشنطن الخليجيين.
ولهذا، فإن الخطر لا يكمن فقط في إطلاق المسيّرات، بل في ترسيخ صورة العراق كساحة تُستخدم لإرسال رسائل نارية ضمن صراع أكبر من الدولة العراقية نفسها.
الخليج يدخل معادلة النار
لسنوات طويلة، حاولت إيران رسميًا الفصل بين:
“استهداف الوجود الأميركي في الخليج”
و
“استهداف دول الخليج نفسها”.
ولهذا كانت الصياغة الإيرانية التقليدية:
نحن لا نستهدف السعودية أو الإمارات أو الكويت، بل القواعد الأميركية الموجودة هناك.
لكن عمليًا، ومع تكرار المسيّرات العابرة للحدود، بدأت هذه المسافة تضيق بصورة خطيرة.
فالتقارير الغربية الأخيرة، خصوصًا ما نشرته Reuters وThe Wall Street Journal، تحدثت عن:
مسيّرات انطلقت من الساحة العراقية نحو أهداف خليجية،
واتهامات مباشرة لفصائل عراقية مرتبطة بالحرس الثوري،
مع حديث عن ضربات سعودية وكويتية استهدفت مواقع لفصائل داخل العراق ردًا على تلك الهجمات.
وهنا يحدث التحول الأخطر:
الخليج لم يعد فقط “منطقة خلفية” للصراع…
بل بدأ يدخل فعليًا ضمن بيئة الردع والرد المتبادل.
من الاحتجاج السياسي إلى “الرد الوقائي”
إذا ترسّخ الاعتقاد خليجيًا بأن مصدر التهديد يأتي من الجغرافيا العراقية، فإن مفهوم “الرد الوقائي” قد يصبح جزءًا من العقيدة الأمنية الخليجية الجديدة.
وهذا يعني أن:
الاحتجاجات الدبلوماسية قد لا تبقى كافية،
وأن “تحييد منصات الإطلاق” قد يتحول إلى سياسة أمنية قائمة بحد ذاتها.
وهنا يدخل العراق مرحلة شديدة الخطورة:
ليس فقط كساحة نفوذ،
بل كساحة ردود متبادلة.
أي أن العراق قد يتحول تدريجيًا إلى:
منصة إطلاق،
ومنصة رد،
ومركز اختبار للإرادات الإقليمية.
وهذا ما يجعل الوضع الحالي أخطر بكثير من مجرد “خرق أمني”.
اختبار حكومة الزيدي الحقيقي
لا تُختبر الحكومات العراقية الجديدة بخطاباتها حول السيادة والانفتاح الخليجي فقط، بل بقدرتها على احتكار قرار النار داخل البلاد.
وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي لحكومة علي الزيدي.
فبعد أقل من أيام على الحديث عن:
تحسين العلاقة مع الخليج،
وتخفيف التوتر،
وإعادة بناء الثقة…
جاءت المسيّرات العابرة للحدود لتطرح السؤال الأخطر:
من يسيطر فعليًا على قرار الحرب والسلم داخل العراق؟
هل الدولة؟
أم الفصائل؟
أم معادلة أوسع مرتبطة بالحرس الثوري والصراع الأميركي–الإيراني؟
لذلك، فإن حكومة الزيدي لا تُختبر اليوم بخطاباتها تجاه الخليج…
بل بقدرتها على منع تحويل العراق إلى منصة تهديد للخليج.
العراق وملامح “ستالينغراد الشرق الأوسط”
الخطر لا يقتصر على المسيّرات، بل في المسار الذي قد يقود إليه استمرار هذا النمط من الاشتباك.
فإذا استمرت:
الفصائل في استخدام العراق كمنصة ضغط،
والخليج في نقل الرد إلى الداخل العراقي،
والولايات المتحدة في إدارة الصراع عبر الساحات الإقليمية…
فإن العراق قد يتحول تدريجيًا إلى ما يمكن تسميته:
“ستالينغراد الشرق الأوسط”
ليس بمعنى الحرب التقليدية فقط، بل بمعنى:
ساحة استنزاف كبرى،
ومركز اختبار للإرادات،
ونقطة تصادم بين مشاريع إقليمية ودولية،
بحيث تُستهلك فيه:
القوى،
والاقتصادات،
والنفوذ،
والخرائط السياسية نفسها.
وهنا يصبح العراق:
ليس مجرد دولة تعاني من الصراع…
بل مركزًا يُعاد عبره رسم توازنات المنطقة كلها.
من المسيّرات إلى حرب قابلية الدولة على البقاء
ما يجري اليوم لم يعد مجرد مواجهة بين فصائل ودول، بل جزء من تحول أكبر في طبيعة الحروب الحديثة.
فالحرب لم تعد تُقاس فقط:
بعدد الصواريخ،
أو حجم القوات،
أو السيطرة على الأرض.
بل أصبحت تُقاس بـ:
قدرة الدولة على منع الانهيار الوظيفي،
قدرة الاقتصاد على الصمود،
قدرة الموانئ والطاقة والاتصالات على الاستمرار،
وقدرة المجتمع على تحمّل بيئة الاستنزاف الطويلة.
ولهذا، فإن المسيّرات لم تعد مجرد سلاح رخيص،
بل جزءًا من:
حرب تعطيل قابلية الدول على الاستمرار.
وهنا تحديدًا يصبح استهداف:
الطاقة،
والموانئ،
والجسور،
وسلاسل الإمداد…
جزءًا من معركة أكبر من مجرد الاشتباك العسكري المباشر.
الخاتمة:
المشكلة لم تعد في أن تنطلق مسيّرة من العراق نحو الخليج…
بل في خطر تحوّل العراق نفسه إلى منصة دائمة ضمن “بنية الردع الإيرانية المتقدمة”، بما يدفع الخليج تدريجيًا إلى نقل الرد من الاحتجاج السياسي إلى المعالجة الأمنية المباشرة.
وهنا يقف العراق أمام أخطر اختبار منذ سنوات:
إما أن تستعيد الدولة احتكار قرار النار،
أو أن يتحول البلد تدريجيًا إلى ساحة استنزاف إقليمي مفتوح تُدار فوق أرضه رسائل الحرب بين واشنطن وطهران وحلفائهما.
فالخطر الحقيقي لم يعد فقط في اندلاع الحرب…
بل في أن يصبح العراق مركزها الوظيفي الدائم.
وعندها، لن يكون الحديث عن “مسيّرات عابرة للحدود”…
بل عن ولادة شرق أوسط جديد تُعاد فيه كتابة خرائط النفوذ والنار من بوابة العراق نفسه
منبر العراق الحر منبر العراق الحر