منبر العراق الحر :
في مواسم الحصاد، لا يُقاس الفرح بكمية القمح وحدها، بل بما تحمله تلك السنابل من حكاياتٍ طويلة، تبدأ ببذرةٍ تُغرس في الأرض، وتنتهي بأملٍ يُفترض أن يصل إلى موائد الناس خبزاً وكرامة. لكن في هذا المشهد المتكرر كل عام، ثمة وجعٌ يتسلل بين خطوط الذهب، وجعٌ لا تراه العين سريعاً، لكنه يسكن قلب الفلاح، ويكبر مع كل موسمٍ يُخذل فيه.
يا فرحةً ما دامت…
عبارة تختصر مأساة موسمٍ كامل، حين تتحول لحظة الحصاد من ذروة الفرح إلى بداية القلق. فبدلاً من أن يكون الحصاد نهاية رحلة التعب، يصبح بداية معركةٍ أخرى، معركة التسويق، ومعركة إثبات الحق في بيع محصولٍ هو أساس الحياة.
القمح في هذه البلاد ليس مجرد محصول زراعي، بل هو شريان سيادة. هو ذاكرة الأرض، وهوية الفلاح، وهو الركيزة الأولى للأمن الغذائي. ومع ذلك، يتكرر المشهد ذاته: إنتاج وفير، يقابله ارتباك في الاستلام وتأخير في الإجراءات، وغياب واضح في التخطيط.
الفلاح، الذي يبدأ يومه قبل شروق الشمس لا يطلب أكثر من أن يُقابل تعبه بنظامٍ عادل. لكنه يجد نفسه أمام واقعٍ معقد: منافذ تسويق محدودة، إجراءات بطيئة وأسعار لا تنصف حجم الجهد المبذول. وفي كثير من الأحيان، يقف أمام محصوله كمن يقف أمام حلمٍ مهدد بالضياع.
إن غياب الدعم الحكومي لا يظهر فقط في نقص المال، بل في غياب الرؤية الشاملة.
فحين لا تكون هناك خطة واضحة لاستيعاب الإنتاج، ولا بنية تحتية كافية للتخزين، ولا سياسات تسعير محفزة، فإن الفلاح يُترك وحيداً في مواجهة سوقٍ قاسٍ لا يرحم.
وهنا تتشكل المفارقة المؤلمة:
كلما زاد الإنتاج، زادت المعاناة.
وكلما امتلأت الحقول بالخير، امتلأت القلوب بالقلق.
أي منطقٍ هذا الذي يجعل الوفرة عبئاً…؟
وأي إدارةٍ تلك التي تعجز عن تحويل الإنتاج إلى قوة اقتصادية حقيقية…؟
إن المشكلة ليست في الأرض، فالأرض ما زالت تعطي بسخاء.
وليست في الفلاح، فهو ما زال صابراً متمسكاً بجذوره.
بل المشكلة في حلقةٍ مفقودة بين الإنتاج والتسويق، بين الجهد والنتيجة، بين الحلم والواقع.
ومع مرور الوقت، لا تبقى هذه الأزمة مجرد قضية موسمية، بل تتحول إلى تهديدٍ استراتيجي.
فالفلاح الذي يخسر اليوم، قد لا يزرع غداً.
والأرض التي تُهمل، قد تصمت بعد حين.
وعندها، لا يكون الخطر في فقدان محصول، بل في فقدان القدرة على الإنتاج نفسه.
إن الأمن الغذائي لا يُبنى بالشعارات، بل بالسياسات الفاعلة.
ولا يتحقق بالاستيراد، بل بدعم المنتج المحلي.
ولا يُصان إلا حين يشعر الفلاح أن الدولة تقف معه، لا خلفه فقط، بل إلى جانبه.
ولذلك، فإن معالجة هذا الواقع تتطلب أكثر من حلولٍ مؤقتة، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة، تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند المخزن عبر الاتي :
١_ آليات واضحة وسريعة لاستلام المحصول دون تأخير.
٢_ تسعير عادل يضمن للفلاح ربحاً يحفزه على الاستمرار.
٣_ توسعة الطاقات التخزينية بما يواكب حجم الإنتاج
٤_ دعم حقيقي لمستلزمات الزراعة من بذور وأسمدة ووقود
٥_ تقليل الروتين الإداري الذي يستهلك وقت الفلاح وجهده
٦_ إشراك المزارعين في صنع القرار الزراعي، لا تهميشهم
إن الفلاح ليس رقماً في معادلة، بل هو حجر الأساس في بناء الاقتصاد الزراعي.
وإهماله لا يعني خسارة فرد، بل خسارة منظومة كاملة من الاستقرار والإنتاج.
يا فرحةً ما دامت…
لكنها لا يجب أن تبقى كذلك.
يمكن لهذه الفرحة أن تكتمل، إذا تحولت السياسة من ردّ فعل إلى فعل، ومن إدارة أزمة إلى بناء نظام. يمكن للسنابل أن تبقى رمزاً للخير، لا بداية لحكاية الخيبة، إذا وُجدت الإرادة الحقيقية للإصلاح.
في النهاية…الحنطة ليست مجرد حبوب بل هي قصة وطن تُكتب كل عام.
إما أن تُكتب بحبر الكرامة، حين يُنصف الفلاح ويُصان إنتاجه أو تُكتب بمرارة الإهمال، حين تُترك السنابل لتواجه مصيرها وحدها.
والسؤال الذي يبقى معلقاً :
كم موسمٍ آخر نحتاج، لندرك أن دعم الفلاح ليس خياراً… بل ضرورة بقاء…؟
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر