منبر العراق الحر :
في البدء كانت الفوضى… ؛ وفي الفوضى كان خالد يبحث عن شكلٍ لروحه المثقوبة بالرصاص المنتظر.
الدخان يخرج من البيوت المهدّمة مثل أرواحٍ ضلّت الطريق إلى القيامة، والرصاص يمرّ فوق الرؤوس بصفيرٍ يشبه ضحك الشياطين.
لم يكن خالد يؤمن بالنجاة.
كان يؤمن فقط بأن الموت يتأخر أحياناً، مثل قطارٍ صدئٍ يضيع بين المحطات.
في معركة قضاء الكرمة، عام 2014، كانت السماء أقرب إلى فوهة بندقية منها إلى سماء.
التراب ساخناً كأن الجحيم يتنفس من تحته، والرصاص يعبر فوق الرؤوس مثل أسراب غربان معدنية , كان سقف الموضع العسكري منخفضا كأنه سقف تابوت .
اختبأ خالد خلف ساترٍ ترابي، واضعاً جبهته على كفه المرتجفة.
لم يكن خائفاً من الموت بقدر خوفه من أن يموت دون أن يفهم لماذا عاش كل هذا العناء.
همس:
— الله لا إله إلا هو الحي القيوم…
قرأ آية الكرسي مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
كان ينفث عن يمينه ويساره، أمامه وخلفه، فوقه وتحته كأنه يبني حول نفسه قفصًا من نور ، كما أوصاه الشيخ العجوز قبل خمسة عشر عاماً في مدينة النجف الاشرف .
تذكر وجه السيد علي الكفائي؛ التجاعيد التي كانت تبدو كخرائط أنهكتها القرون، والصوت الهادئ الذي يشبه ماءً قديماً يجري داخل بئر.
— يا بني… الإنسان لا ينجو بالقوة وحدها.. , أحياناً تنقذك الفكرة والعقيدة التي تؤمن بها أكثر مما ينقذك السلاح.
حينها كان خالد شاباً هارباً من الجيش الصدامي، يحمل خوفه مثل حقيبة سوداء لا يستطيع رميها.
أما الآن، فقد صار يحمل بندقية وخرائط عسكرية وأسماء موتى كثيرين..
كان خالد ملتصقًا بساترٍ ترابيّ مبتلٍّ بعرق الجنود والدم… ؛ إلى جواره جاسم يلوك سيجارته بعصبية، بينما القنّاص في الجهة المقابلة يحصد الظلال.
رفع جاسم رأسه من المتراس وقال ضاحكاً:
— إذا متنا اليوم… سأرفع دعوى على الله لأن الإجازة لم تصدر بعد.
ابتسم خالد نصف ابتسامة.
وفي اللحظة التالية، اخترقت رصاصة القناص رأس جاسم لتستقر في جمجمته كما تستقر الحقيقة في قلبٍ لم يطلبها .
تراجع جسد جاسم إلى الخلف ببطء غريب، ثم سقط في حضن التراب، بينما بقيت عيناه مفتوحتين بدهشة طفلٍ اكتشف أن العالم يكذب.
سقط جسده بلا صوت تقريباً.
الغريب أن الموت صامت دائماً، أما الحياة فهي التي تصرخ.
ألقى خالد بجسده إلى الأرض كما يلقي المرء بعباءةٍ بالية , والتصق بالتراب حتى شعر أنه يريد الدخول فيه، كأن الأرض أم ثانية.
سقط لا من خوف، بل من تلك اللحظة الفارقة التي تسبق الموت بجزءٍ من الثانية، حين ينقسم الزمن إلى ما قبل الرصاصة وما بعدها.
“آية الكرسي…” همس وهو يلعق التراب… ؛ “اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ…”
قرأها ست مرات… ؛ لا لأنه يؤمن بالعدد، بل لأن العالم من حوله كان ينهار في ست جهات: شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وفوقاً وتحتاً… ؛ وكان الموت يأتي من كل الجهات معاً، كحبٍّ قديمٍ عاد ليأخذ ما نسيه.
في الليل، ظل ينظر إلى خوذة جاسم الملقاة قرب الساتر.
كانت ممتلئة بالدم والمطر.
وقال في نفسه:
«لماذا يختار الموت شخصاً ويترك آخر؟
هل المسألة حكمة؟
أم صدفة عمياء؟!»
استمرت المعارك الطاحنة عشرة أيام.
عشرة أيام كان الليل فيها أطول من التاريخ، وكانت الجثث تُسحب مثل أكياس رمل.
ثم جاءت فصائل المقاومة الاسلامية , ومجاميع المتطوعين الشجعان ؛ لتحلّ محل القوات الاتحادية، وانسحبت الوحدة العسكرية .
وبعد عشرة ايام ؛ عاد خالد إلى بغداد بإجازة قصيرة ، شعر أن المدينة ليست مدينة، بل امرأة عجوز أنهكها البكاء.
حين دخل البيت، شعر كأنه عبر من مقبرة إلى رحم.
رائحة الطعام.
صوت المكيف.
صحن الرز والفاصوليا.
يد أمه وهي تضع قطعة الدجاج في صحنه بصمت يشبه الصلاة.
تناول الطعام ببطء، كما لو أنه يتذوق الحياة نفسها.
في الحرب، يأكل الإنسان كي لا يموت.
أما في البيت، فهو يأكل لأنه يتذكر أنه إنسان.
كان يتأمل اطباق الطعام وكأنه يتأمل معنى البيت.
قالت له أمّه:
— لماذا تنظر إلى الصحون هكذا؟
ابتسم بحزن:
— لأن الذي يرى الموت كثيرًا… يتعلّق بالأشياء الصغيرة.
شرب الشاي المهيل، ثم دخل الى الحمام .
أخذ الليفة، ودلك جسده بعنف، كأنه يريد أن ينزع الحرب عن جلده.
كان الصابون التركي الفاخر يملأ المكان بالأريج ، لكنّه ظل يشعر أن رائحة البارود ما زالت تسكن أصابعه.
وقف طويلًا تحت الماء.
همس لنفسه:
— كم جثة تحتاج الروح كي تشيخ؟
ثم نام تحت هواء المبرّدة كميتٍ نجا مؤقتًا من المقبرة.
ثم خرج إلى شارع الربيعي في حي زيونة الراقي .
كان يمشي بين مكاتب السياحة والسفر كمن يبحث عن منفذٍ سري للهروب من ذاكرته.
وحين دخل شركة القمة للسياحة والسفر ، شعر بشيء يشبه الطمأنينة.
الموظف مروان ناوله قطعة حلوى وسأله بابتسامة:
— إلى أين ترغب بالسفر؟
أجاب خالد بعد صمت قصير:
— إلى جورجيا .
بعد يومين، كان في مطار بغداد.
هناك شيء يشبه الخلاص في المطارات.
الناس لا تسافر فقط من بلدٍ إلى بلد، بل من نسخةٍ إلى نسخة أخرى من أنفسهم.
في الطائرة، كان خالد ينظر من النافذة.
تحت الغيوم اختفى العراق.
شعر لوهلة أن الحروب مجرد حلمٍ سيئ.
لكن الإنسان يحمل بلاده داخله، حتى لو عبر المحيطات.
وحين وصلوا تبليسي، بدا له العالم مختلفاً بصورة مغايرة تماما .
الناس يضحكون بلا خوف.
المقاهي مليئة بالعشاق.
العجائز يمشون ببطء وكرامة، لا كمن ينتظر موته عند باب الجامع.
النساء يمشين بخفةٍ لا تعرف معنى التفجيرات او التحرش الجنسي .
في تبليسي، كانت الشوارع نظيفة بصورة تثير الاسترخاء .
الأشجار والزهور متسقة وجميلة .
حتى مركز الشرطة كان يبدو مكانًا جميلًا، تحيط به الورود من كل جانب، أشبه بـ«آرت ستوديو» هادئ أكثر من كونه مركزًا أمنيًا…!!
بلغت نسبة الجريمة حدّ الصفر، رغم ما عصف بالبلاد من هزّات وانتكاسات واضطرابات، ورغم خوضها حربًا غير متكافئة مع روسيا ؛ ومع ذلك ظلّ المجتمع وديعًا، مدنيًا، ومفعمًا بروح السلام، كأنّ الخراب كان يمرّ من فوقه دون أن ينجح في تلويث إنسانيته.
في تبليسي، حيث نهر كورا يمزق المدينة إلى نصفين كما يمزق الحنين صدر المغترب، جلس خالد على الضفة حاملاً قنينة الويسكي… ؛ كانت الليلة الأولى له خارج العراق.. ؛ خارج الخوف.. ؛ خارج نفسه.
جلس قرب ضفاف النهر ، يحتسي كأساً صغيرة بينما يراقب شيخاً جورجياً طاعناً في السن يصطاد السمك.
كان البرد قاسيًا، لكن الشيخ الجورجي العجوز ظل واقفًا يصطاد السمك.
تجاوز المئة من عمره، ومع ذلك بدا أكثر حياة من شباب بغداد.
كان الراديو الصغير قربه يبث موسيقى قديمة، والريح تعبث بمعطفه البني.
كان الشيخ الجورجي الذي يصطاد السمك في الليل يشبه سؤالاً فلسفياً معلقاً بين الماء والسماء… ؛ يدان مرتعشتان تمسكان بسنارة، وعينان تحدقان في العدم كما لو كانتا تقرآن كتاباً لم يُكتب بعد… ؛ مئة عام من العمر، ومع ذلك يقف كشجرة بلوط عتيقة تأبى أن تسقط، لا عناداً، بل لأن السقوط لم يكن يوماً خياراً مطروحاً على جدول أعمالها.
“كيف تفعلها؟” سأل خالد نفسه، أو ربما سأل الشيخ من بعيد ، أو ربما سأل النهر الذي يجري دون أن يجيب.
رفع الشيخ رأسه ببطء، كما يرفع البحر رأسه ليلتقي بالقمر، وابتسم ابتسامة من عرف أن الحياة ليست في البقاء، بل في طريقة النظر إلى ما يبقى.
تأمله خالد طويلاً.
ثم تذكر رجالاً في بغداد كانوا يشيخون في الثلاثين.
هناك، في العراق، كان الزمن يأكل الناس بسرعة.
الحروب، الخوف، القمع , الظلم , الفساد , العقائد الثقيلة، الرؤى الطوباوية والسوداوية , الفقر، الحصار، الخسارات , الامراض , العقد النفسية والاجتماعية , المشاكل , الصراعات …
كلها كانت تطحن الروح قبل الجسد.
أما هذا الشيخ، فكان يشرب البيرة ويبتسم للماء وكأن الحياة ما تزال تستحق التأمل.
تذكر خالد جاره عيسى. كان عيسى يغني دائماً: “عمر واتعدى الثلاثين لا يا فلان…” بصوتٍ يشبه نحيب المآذن في ايام عاشوراء … ؛ وتذكر سيد سلمان الذي ما إن بلغ الاربعين حتى حلق شعره ولبس (العرقجينة ) وانحنى ظهره كأنه يحمل على كتفيه كل موتى العراق.
تذكّر رجالًا في العراق يموتون وهم أحياء… ؛ يموتون في الثلاثين ولو تنفست رئاتهم حتى السبعين… ؛ يموتون حين يتوقفون عن الرغبة… ؛ يموتون حين يصبح الأمس أكثر حضوراً من الغد… ؛ يموتون حين تتحول أحلامهم إلى ذكريات قبل أن تُعاش.
رجالًا يبلغون الثلاثين فيتحولون إلى كائنات منهكة، يطوون ظهورهم تحت ثقل الدين والخوف والفقر والسلطة والعادات.
أما هذا الشيخ الجورجي ، فكان يمارس الحب مع الحياة في كل لحظة… ؛ يلامس النهر بأصابعه كما يلامس عاشق جسد معشوقته… ؛ يشرب البيرة الجورجية الطازجة كأنها رشفة أولى من نهر النسيان… ؛ يستمع إلى الموسيقى الهادئة من راديو قديم، كأن الزمن لم يخنه، بل خانه هو… ؛ فكأنه يقف في مواجهة الفناء كجنديّ أخير.
قال خالد لنفسه:
«ربما الشيخوخة ليست في العمر ولا في الجسد بل في الروح … ؛ و في مقدار ما خسرناه من دهشتنا.»
وفي الليلة الثالثة , أو ربما الرابعة -(فالزمن في المنفى يذوب كالسكر في الشاي)-، دخل خالد ذلك الملهى الليلي… , ليس بحثاً عن المتعة فقط ، بل هرباً من الفراغ. ؛ باب فولاذي أسود يشبه بوابة غواصة، وفي وسطه (جامة ) زجاجة سميكة تحدق في الداخل كما تحدق عين القدر في مستقبل لم يتشكل بعد.
كان الجو في الداخل مختلفاً… ؛ الأضواء الحمراء والزرقاء والصفراء كانت تتراقص فوق الوجوه مثل أحلام العصافير … ؛ الموسيقى تهز الجدران، والنساء الحسناوات يتحركن بخفة كأن أجسادهن لا تعرف ثقل الحروب.
كان مختلفاً لأن لا أحد هنا يحمل آية الكرسي في جيبه… ؛ لا أحد هنا يقرأ التعويذات قبل النوم… ؛ لا أحد هنا يهرب من الموت لأنه ببساطة لم يتعلم بعد أن الموت يطارده.
راقب خالد راقصة التعري وهي تصعد الأنبوب الحديدي… ؛ جسدها كان يرتفع كما يرتفع الدخان من فوهة الحرب… ؛ كانت تنزع ملابسها قطعة قطعة، وفي كل قطعة تسقط، كان يسقط معها جزء من خالد القديم… ؛ ليس شهوة ما كان يشعر به، بل تفكك , تفكك الذات التي بناها الخوف.. , تفكك الرجل الذي تعلم أن الحياة خطر، وأن الجنس خطيئة، وأن الفرح مؤامرة.
شعر خالد بالارتباك.
كان جسده يريد شيئاً، وروحه تريد شيئاً آخر.
كل شيء هناك كان يشبه محاولة جماعية لنسيان الموت.
جلس يراقب الوجوه.
بعضهم يضحك لأنه سعيد.
وبعضهم يضحك لأنه محطم.
ثم اقتربت منه فتاة جورجية ذات عينين بلون الشتاء.. , شعرها الأشقر ينساب على كتفيها كحكاية جميلة تروى ببطء.
كانت تمشي بثقة من يعرف أثره على الآخرين.
ابتسمت له ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن ابتسامة إغواء بقدر ما كانت ابتسامة شخص يعرف الوحدة.
جلسا معاً طويلاً.
تحدثا بلغة إنكليزية (مكسرة )، وإشارات، وصمت.
حين أمسك يدها، شعر بحرارتها الإنسانية أكثر من أي شيء آخر.
ولأول مرة أدرك أن الجسد ليس مجرد شهوة فحسب ؛ أحياناً يكون محاولة يائسة لإثبات أننا ما زلنا أحياء … ؛ وإننا نعيش في ظلال رعايةٍ دافئة واهتمامٍ يفيض عنايةً واحتواءً.
تبعها إلى غرفة رقم 3.. , الرقم الذي يرمز إلى الثالوث المقدس، وإلى الأبعاد الثلاثة، وإلى مراحل الحياة: الولادة والحب والموت.
عندما نزعت ملابسها ببطء، كان خالد قد نزع ملابسه بسرعة… ؛ ليس لأنه مستعجل، بل لأن جسده كان متلهفاً ليتخلص من جلده القديم.
كان واقفاً أمامها عارياً، ليس فقط من ملابسه، بل من تاريخه.. , من الحروب.. , من الموت.. , من آية الكرسي التي لا يزال صداها يرن في أذنيه.
“أنت جميل…” قالت بالإنجليزية المكسرة، وأشارت إلى قضيبه المنتصب… ؛ ابتسم خالد ابتسامة حقيقية لأول مرة منذ شهور طويلة .
ليست ابتسامة الانتصار، بل ابتسامة الاعتراف.. , اعتراف بأن الجسد له لغته، وأن اللغة لا تحتاج إلى ترجمة، وأن الترجمة تخون المعنى.
عندما وضعته في فمها، شعر أن العالم كله يتوقف.. , لا حرب.. , لا موت.. , لا آية كرسي.. , لا سيد علي الكفائي .. , لا نهر دجلة ولا نهر الفرات.. ؛ فقط هذا الفم الدافئ الذي يمتص منه ليس فقط رغبته، بل خوفه أيضاً.
قبلها من فمها بعد ذلك.. , كانت قبلتها تشبه مصالحة بين جسدين تعلم كل منهما أن الآخر هارب من شيء ما.. , طعم فمها كان طعم الحرية.. , ليس حرية الجنس، بل حرية أن تكون بلا ماضٍ.. , أن تكون لحظة فقط.. , أن تكون الآن وهنا.
وعندما مارس معها، لم يكن يمارس الجنس فقط.. , كان يمارس العودة إلى الجنة التي طُرد منها آدم.. , كان يمارس التمرد على كل المحرمات والممنوعات .. , كان يمارس الحياة في وجه الموت.
كانت المرة الأولى في حياته التي لا يفكر فيها أثناء الجنس.. , لا يفكر في الدين.. , لا في الأخلاق.. , لا في المجتمع.. , لا في أمه التي تنتظره في بغداد.
كان حاضراً بكليته، كما لم يحضر في أي مكان آخر.. , حتى في الحرب، حين كان الموت يحيط به، كان يفكر في النجاة.. ؛ أما هنا، في هذا الجسد الأنثوي الذي يستقبله كما تستقبل الأرض المطر، فلم يكن يفكر في شيء.
كانت تعرف ماذا تفعل.. , ليست كالعاهرات في بغداد، ولا كالزوجات الخجولات اللواتي يمارسن الجنس كواجب.. ؛ كانت تمارسه كفن.. , كشعر.. , كموسيقى.. , جسدها كان يعزف سيمفونية لم يسمعها خالد من قبل، وكل خلية فيه كانت تستمع.
في الذروة، بكى…
لم تفهم هي لماذا يبكي، فربتت على كتفه بحنان.. , لكنه كان يبكي لأنه أدرك شيئاً مرعباً: أنه كان ميتاً طوال هذه السنوات.. , و أن آية الكرسي لم تكن تنقذه من الموت، بل كانت تؤجل موته فقط.. ؛ أما هنا، في هذه اللحظة، فقد عاد إلى الحياة.. , ليس لأنه مارس الجنس، بل لأنه شعر.. ؛ شعر بدمه يجري.. , شعر بقلبه ينبض.. , شعر بجلده يرتعش تحت أصابعها.. , شعر بأنه لا يزال إنساناً.
في تلك الليلة، لم تكن اللذة هي الحدث الحقيقي.
بل الهروب.
الهروب من صور الجثث.
من رأس جاسم المفتوح.
من رائحة الدم التي التصقت بذاكرته.
طوال الرحلة، لم يخرج مع أعضاء الكروب السياحي.. , لم يزر المتاحف ولا الكنائس ولا الجبال.. , كان كل ما يريده موجوداً في تلك الغرفة رقم 3.. , في جسد تلك المرأة التي صارت بالنسبة له وطناً بديلاً.. ؛ وطناً لا يحتاج إلى تأشيرة دخول.
كانت كماء البحر.. ؛ كلما شرب منه، ازداد عطشاً.. , وكلما ازداد عطشاً، شرب أكثر.. , حلقة مفرغة من اللذة لا تؤدي إلا إلى مزيد من اللذة..
كان يعود كل ليلة إلى الملهى… ؛ ثم يرجع كل فجر إلى الفندق، وهو يشعر بفراغٍ هائل.
المشكلة أن الإنسان لا يستطيع الهرب من نفسه.
وكان يشعر أن روحه تنقسم إلى نصفين:
نصف يريد العودة إلى الإيمان والطمأنينة وآية الكرسي.
ونصف يريد أن يلتهم الحياة كلها قبل أن تلتهمه الحرب مجدداً.
في الليلة الأخيرة، خرج وحده إلى النهر.
كانت تبليسي نائمة تحت الضباب.
أخرج قنينة الويسكي، شرب قليلًا … ؛ثم اشعل سيجارة جرود …
نظر إلى النهر الطويل المتدفق تحت المدينة.
ثم همس:
— يا الله…
هل نحن في العراق نعيش حقاً؟
أم أننا فقط نهرب من موت إلى موت؟
ثم مضى على عجلٍ نحو الملهى.
“ما اسمك؟” سألها في تلك الليلة.
“نينو” قالت وهي ترتدي ملابسها.
“نينو…” كرر الاسم كتعويذة جديدة.. , تعويذة لا تطرد الشياطين، بل تستدعيها.
في المطار، وهو عائد إلى بغداد، شعر خالد أن شيئاً ما قد تغير.. , ليس فيه فقط، بل في العالم كله.. , كان ينظر إلى المسافرين العراقيين العائدين معه، فرأى في عيونهم نفس الخوف الذي كان يسكن عينيه قبل أسبوع.. , نفس الانكسار.. , نفس الاستسلام.
تذكر الشيخ الجورجي صاحب المئة عام.. , تذكر جاره عيسى وأغنيته عن الثلاثين.. , تذكر سيد سلمان وعرقجينته.
وفجأة، أدرك الحقيقة المرة: السعادة ليست في جورجيا.. , وليست في الجنس.. , وليست في الخمر.. , السعادة في أن تتصالح مع فكرة أنك حي.. , أنك ستموت.. ؛ و أن بين هاتين الحقيقتين مساحة صغيرة هي ما نسميه الحياة، وعليك أن ترقص فيها، لا أن تزحف.
في الطائرة، وبينما كان يحلق فوق السحاب، أخرج المصحف الصغير الذي كان في جيبه.. ؛ فتحه على آية الكرسي.. ؛ قرأها مرة واحدة هذه المرة، لا ستاً.. ؛ ليس لأنه لم يعد بحاجة إلى الحماية، بل لأنه أدرك أن الحماية الحقيقية هي في أن تتقبل الخطر.. , و أن تمشي في الحياة كما يمشي العشاق في الليل: بلا خريطة، بلا وجهة، بلا خوف.
عندما هبطت الطائرة في مطار بغداد، كان خالد قد نزل منها رجلاً آخر.. ؛ ليس أفضل، ليس أسوأ.. , فقط مختلف.. ؛ مختلف كما تختلف الحياة عن الموت.. ؛ مختلف كما يختلف الماء عن السراب.. ؛ مختلف كما تختلف آية الكرسي التي تُقرأ خوفاً، عن آية الكرسي التي تُقرأ حباً.
في البيت، استقبلته أمه بالدموع.. ؛ “اشتقت لك …” قالت.
“وأنا أيضاً…” قال، وهو يعرف أنه لا يقول الحقيقة كاملة.. ؛ فهو لم يشتق لأحد.. , لم يشتق لشيء.. ؛ لأنه لم يكن هناك أصلاً ليفتقد أحداً.. , كان غائباً عن نفسه قبل أن يغيب عن بغداد.
في تلك الليلة، نام خالد نوماً عميقاً بلا أحلام.. , ولأول مرة منذ سنوات، لم يستيقظ في منتصف الليل مفزوعاً من كابوس.. , لم يحلم بالرصاصة التي استقرت في رأس جاسم.. , لم يحلم بالموت الذي كان يحيط به من الجهات الست.
فكر بدلاً من ذلك بنهر كورا في تبليسي.. , بشيخ جورجي يصطاد السمك.. , بامرأة اسمها نينو.. , وبآية كرسي لم يعد بحاجة إليها دائما .
في النهاية، لم يمت خالد في حرب مواجهة فلول الارهاب عام 2014.. , لكنه مات بطريقة أخرى.. , مات كي يولد من جديد.. , مات الخوف فيه، وعاش الجسد.. , ماتت التعويذة، وعاشت الرغبة.. , ماتت الطفولة العراقية الحزينة، وعاش رجل لا يعرف بعد ماذا سيفعل بحياته، لكنه يعرف شيئاً واحداً: أنه لن يموت قبل أن يعيش… ؛ وهذا، في بلدٍ يتساقط فيه الناس كأوراق الخريف، يعد انتصاراً صغيراً.. ؛ صغيراً كالفراشة التي ترفرف في عاصفة.. , لكنه انتصار، رغم كل شيء.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر