منبر العراق الحر :
أخرجُ من البيت
كلَّ صباح،
كأنّي أتركُ جزءًا منّي
على عتبةِ الباب،
ولا أعودُ مساءً إلّا لأتأكد
أنّه ما زال هناك… ناقصًا.
الطريقُ إلى العمل
ليس طريقًا،
بل عبورٌ يوميّ بين طبقتين من التعب،
تتشابه فيهما الوجوه
حتى يصير الإنسانُ
مجرد احتمالٍ لاسم.
وجوهٌ تمرّ قرب وجهي
كأنّها تعرفني ولا تريد الاعتراف،
كلُّ واحدٍ يحملُ داخله
مدينةً صغيرة من الإرهاق،
ويخفيها بملامح عادية
كي لا يُسأل.
في الحافلة، في الضوء، في الازدحام
أفهمُ شيئًا لا يُقال:
أنّ الناس لا يعيشون حياتهم،
بل ينجون منها فقط.
ومن البيتِ إلى العمل
أتعلمُ كيف أمشي خفيفة،
ليس لأنّني خفيفة،
بل لأنّ الثقل الحقيقي
لا مكان له في الجسد.
وأحيانًا
لا أذهبُ إلى العمل،
بل إلى رام الله.
إلى أخوالي،
إلى أبناء خالي
الذين صاروا رجالًا
بعد أن صار الغيابُ
أكثر عدداً من الأسماء.
هناك
لا أحد يسأل سؤالًا كاملًا،
لأنّ كل سؤال
يخاف أن يكتشف إجابته.
نجلسُ كأننا نرتّب العالم من جديد،
لكننا في الحقيقة
نرتّب أماكن الفراغ حولنا.
نضحكُ قليلاً،
ثم نصمتُ كثيرًا،
كأنّ الصمتَ هو اللغة الوحيدة
التي لم تخنّا بعد.
في رام الله
أشعرُ أنّ العائلة
لم تنتهِ،
لكنها تقلّصت
حتى صارت ذاكرة تمشي بيننا.
كلُّ بيتٍ هناك
يحفظُ صوتًا كان يجب أن يبقى،
وكلُّ طاولة
تتذكّر يدًا غادرت قبل أن تكتمل الجملة.
ثم أعود.
وأحيانًا
لا أعود إلى العمل،
بل إلى المقبرة.
لا كزائرة،
بل كمن يعود إلى مكانه الأول
بعد أن تاه طويلًا في اتجاهات الحياة.
هناك
لا أحد يشرح نفسه،
ولا أحد يحاول أن يبدو قويًا.
أمّي…
غيابها ليس حدثًا،
بل طريقة ثابتة للعالم
كي يكون ناقصًا دائمًا، دون استئذان.
أبي…
كأنّ صمته لم يغادرني،
بل استقرّ في داخلي
وصار جزءًا من خطواتي حين أرتبك.
جدّي وجدّتي…
كانا يعيشان وكأن الزمن أطول مما هو،
وكأنّ الحب وحده
قادر على تأجيل الفقد.
وعمّاتي…
كنّ يملأن البيت حياةً بلا إعلان،
ثم غادرن بهدوء
كأنّهنّ كنّ يعرفن الطريق منذ البداية.
أقفُ بينهم
وأفهمُ شيئًا متأخرًا:
أنّ الموت لا يضع حدًّا للناس،
بل يضعهم في شكلٍ آخر من الحضور
أكثر صمتًا
وأكثر ثقلًا
وأصدق من الذاكرة.
في المقبرة
لا ضجيج،
لا أقنعة،
لا حاجة لتفسير ما لا يُفسَّر.
فقط الحقيقة
كما هي
حين تتخلّى عن كل ما يجمّلها.
وأحيانًا
أقف طويلًا
كأنّي أحاول أن أتذكّر
كيف كانت الحياة قبل هذا النقص.
ثم أكتشف أنني لا أتذكّر،
بل أواصل العيش
بذاكرة مثقوبة،
تُدخل الضوء
بقدر ما تُسقطه.
الحياةُ قاسية
ليس لأنها تأخذ من نحب،
بل لأنها تطلب منّا
أن نكمل بعدها
بقلوبٍ لم تُعد كما كانت،
ومع ذلك تُصرّ أن تخفق.
ومن البيتِ
إلى العمل،
إلى رام الله،
إلى المقبرة…
أمشي.
لا كمن يملك اتجاهًا،
بل كمن يتعلّم كل يوم
كيف لا ينهار في منتصف الطريق.
وفي النهاية
أفهمُ أن الحياة كلها
ليست إلا مسافة قصيرة
بين غيابٍ وغياب،
نحاول فيها
أن نبدو كاملين
رغم أننا
ننقص كل يوم
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر