منبر العراق الحر :
حينَ كُنّا صِغارًا،
كنّا نؤمنُ بالسّماءِ،
بالحمائمِ،
وبالصّبحِ محمّلًا بحروفِ الأسماء،
يدخلُ شُبّاكَ غرفتِنا دونَ استئذان.
كانَ الصبحُ يُحلّقُ فوقَ سطوحِنا الطينيّةِ
دونَ استحياء،
يقذفُ إلينا همسَ الجيران،
ضحكاتِهم،
غزلَهم،
عراكَهم،
خياناتِهم،
أحلامَهم.
حينها،
كانتْ كلُّ الأشياءِ تتوحّد،
تغازلُنا شجرةُ الحنّاءِ بعطرِها،
فيغارُ منها الجوريُّ،
وتحتضنُه دفاترُ عشقِنا وتنام.
حينَ كنّا صغارًا،
لم نعرفْ للكلمةِ وجهين،
وكانَ عطرُ صدقِنا يخترقُ كلَّ الجدران.
كانتْ حياتُنا لا تحتملُ نهايةً،
فالوقتُ انفلاتُ مسرّاتِنا،
وانفلاقُ صمتِنا،
وتجمعُنا أفراحُ سطوحِ بيوتِنا
في حبٍّ وأمان.
لم نعرفْ للهجرةِ تاريخًا،
فالحبُّ كانَ خارطةً للأوطان.
كانَ الحبُّ صبيًّا
لم يكبرْ بعد،
لم تلوّثْه خطاباتُ الحروبِ العشرة،
ولا نشراتُ الأخبارِ الحربيّة،
ولا مذيعٌ أخرس،
ولا هذيان.
كانَ الحبُّ
مرافئَ تعانقُ عشقَ عصافيرِنا.
ولم نعتقدْ يومًا
أنّ السماءَ ستخونُ حمامةَ البيتِ العتيق،
أو أنّ أمامَ الجامعِ
سيسجدُ ديكُ السلطان،
وأنّ الصلاةَ ستمتهن،
وأنّ الدعاءَ في سوقِ الجمعةِ
سيُعرضُ بأبخسِ الأثمان.
وأنّ بوصلةَ خفّاشِ حكومتِنا
ستبيعُ قمحَ وجودِنا
إلى كوكبةِ الغربان.
ضاعتْ اتجاهاتُ طائرِ نورسِنا،
فثارَ بومُ طفولتِنا،
وقرعَ جرسَ البركان.
أمّاه،
لا تنفعُنا تعويذةُ أمِّ الحزن،
ولا رائحةُ الحرملِ والمسك،
فأبدًا لا تطردُ شبحًا
عشعشَ في جماجمِنا،
وأسّسَ جمهوريّةَ الأحزان.
حينَ كنّا صغارًا،
لم يكنْ يعنينا شرطيُّ الشارع،
ولا لصُّ الحيِّ «عليوي» السّكران،
ولا الغانيةُ «صبيحة»،
ولا فتوةُ الحيِّ «شمخي»،
ولا فتاوى الشيخِ الأعورِ الأعرجِ «البطران».
كنّا نهتمُّ للمطرِ
حينَ يبلّلُ شوارعَنا الطينيّة،
ولرائحةِ ترابِ الأشجارِ
حينَ يعانقُ عبقُها الأغصان.
كنّا نعانقُ مطرَ طفولتِنا،
وننامُ على حقائبِنا المدرسيّة،
حينَ يختلطُ جوعُنا
برائحةِ شواءِ الخبز،
فنصحو على لحنِ تنّورِ شتائِنا،
ونردّدُ ذاتَ الألحان.
نجتمعُ عندَ «بيتٍ صغير» في يومِ جمعة،
و«عدسةِ فنّ» ،
توحّدُنا جميعًا ،
نضحكُ كثيرًا،
كنا لا نوصدُ أبوابَ بيوتِنا،
فتجمعُنا كلماتُ الألحان.
حينَ كنّا صغارًا،
لم نكنْ نهتمُّ بجسدِ الأشياء
ولا شهوتِها،
كنّا ننتظرُ شمسَ الفراشات.
فالحبُّ لا يعنينا،
والحربُ لا تعنينا،
والكذبُ لا يعنينا،
والصدقُ لا يعنينا،
والموتُ لا يعنينا،
والحياةُ لا تعنينا،
لأنّنا حينها
كنّا صغارًا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر